فنحن بحاجة إلى أن نرتقيَ بعقولنا وتفكيرِنا وسياسَتِنَا للأمةِ ارتقاءً يُناسبُ طبيعةَ المرحلةِ في نفسِ الأمر؛ ويطابقُ الحاجةَ المطلوبةَ مُطابقةً حقيقيةً لا وَهْمًا في الأذْهانِ وليستْ كذلكَ في الخارِجِ!؛ وبدون ذلك سنكونُ كمن يديرُ جامعةً عِلْمِيَّةً في المرْحَلَتَيْنِ العالِيَةِ والعالِيَةِ العالَمِيَّةِ بنفسِ الطريقَةِ التي تُدَارُ بِها المدرسةُ الابْتِدَائِيَّةُ!؛ أو كمنْ يَدْعُو إلى داره ألفًا وليستْ تَسَعُ غيرَ عَشْرٍ؛ أو كمن يسعى إلى بناءِ ناطِحَةِ سحابٍ بالوسائل التي يَبْنِي بِها بيتا من طين!؛ فإن كانت النتائجُ على خلافِ ما يحبُّ فلا يلومَنَّ إلا نفسَهُ.
وأضيف ههنا أمرًا أَرْجُو أن تَتَّسِعَ له الصدُورُ؛ وهو أنَّ مرحَلَةَ الأحزابِ والتنظيمَاتِ على ما بَذَلَتْهُ من جُهْدٍ فِي إقامَةِ دَعْوَةِ الإسلامِ؛ قد أَوْرَثَت الكَثِيرينَ فِقْهًا ضَيِّقَ العَطَنِ قَصِيرَ النظَرِ مَحْدُودَ الأُفُقِ؛ منْ نَوْعِ الفِقْهِ الذي وَرَّثَهُ مشايِخُ المُقَلَّدَةِ لأتباعِهم المُتَعَصِّبَةِ؛ يدورُ كلُّه على نَصْرَةِ الشيخِ وآرَائِهِ و التمَحُّلِ للدِّفَاعِ عَنْها مَهْما كانتْ!!؛ معَ أَنَّنَا بحاجةٍ اليَوْمَ خاصَّةً إلى فِقْهٍ يَتَحَرَّرُ من هذهِ القيودِ؛ يَعْتَمِدُ أساسُهُ على كَتابِ اللهِ تعالى وسُنَّةِ رَسولِهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه؛ وَيَنْبَنِي على الانفتاحِ الصحيحِ المَشْرُوعِ على أنواعِ العُلُوم والمعارِفِ التي هِيَ مِنْ أعْظَمِ أسبابِ القوَّةِ التي خَلَقها اللهُ تعالى في الكَوْنِ؛ وهذا يكونُ وسيلةً لاتساعِ الأنظار؛ و بابًا لانْفِسَاحِ مَدارِكِ العُقُولِ!؛ وذلك موصلٌ إلى بلوغِ رُتْبَةِ الاجتهادِ فِي السياسَةِ الشرْعِيَّةِ التي عَلَيْها مَدارُ السعْيِ في التمْكينِ لدينِ اللهِ وشَرْعِه.
إن السعْيَ إلى التَمْكِينِ لَيْسَ بالقِتالِ وحْدَهُ فَحَسْبُ؛ بَلْ إنَّ الدَّوْلَةَ التي تَعْتَمِدُ القُوَّةَ وحْدَها سُرْعانَ ما يَتَقَوَّضُ بِناؤُها؛ لأنَّ الناسَ وإن يَكُونوا أَغْرارًا؛ فَهُمْ بطبعِهمْ ذَوُو عِنادٍ، كما يقُولُ عُلَماءُ الاجْتِماعِ ومِنْهُمْ (وِلْ دْيُورانَتْ) في قِصَّةِ الحضارة (1/ 47) ، ولذا احْتِيجَ إلى عِلْمِ سِياسَةِ الأمَمِ وفُنُونِهِ وقَواعِدِهِ، وهذا الذي قالُوهُ كلامٌ صَحيحٌ لا غُبارَ عَليْهِ، ومَنْ تأمَّلَ هَدْيَ النبِيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلمَ وسيرَةَ أصحابِهِ رضيَ اللهُ عنْهمٍ في الفُتُوحِ وسياسَةِ الأمَمِ رآهُ جَلِيًَّا جَلاءَ ذُكاءَ (وذكاء هي الشمسُ) فِي نَهَارِ الصيفِ؛ وقدْ فصلْتُ القولَ في هذا في (سلِّ الحسامِ) تحتَ عُنْوانِ: بَجَبْهَةِ العِيرِ يُفْدَ حافِرُ الفَرس، وفي (أرائكِ الحَكْمَةِ) تحتَ عُنْوانِ: الغايَةُ من الحَياةِ بَينَ مَعاولِ الهدْمِ وعوامِلِ البِناءِ؛ عَلى اخْتِصارٍ فيه، فليَرْجِعْ إليهما مَن طَلَبَ المزيد.
وقدْ تأمّلْتُ أحْوالَ الناسَ في اجْتِماعِهِمْ وتَحَزُّبِهِِمْ عَلَى شَيْخٍ أو مَذهبٍ أو طائِفَةٍ أو جَماعَةٍ أو أمَيرٍ؛ فرأيتُ كُلاًّ منهمْ يعقِدُ الخناصرَ على جُمْلَةٍ منَ المسائلِ يَجْعَلُها له شِعارًا؛ يذبُّ كبارُهم عنه ويُنافِحُونَ دُونَهُ؛ ثُمَّ يَحُولُ المَتْبُوعُ بَيْنَ التابِعِ وبَيْنَ تَلَقِّيهِ عَنِ غَيْرِهِ أو مُخالَطَتِهِ أو الأَخْذِ عَنْهُ!؛ ولا يزالُ الأمرُ بِهم عَلَى هذه الجَدِيلَةِ حتى يُصبَغَ أفرادُ كلِّ فَريقٍ منهمْ بِصِبْغَةٍ واحدَةٍ؛ ويتلَوَّنُونَ بِلَوْنٍ واحِدٍ يُمَيزُهُمْ عمنْ سواهُمْ؛ فلا يقبلُونَ من غَيْرِهِم شيئا؛ ولا يَرْفَعُونَ بِهِمْ راسًا!؛ فَإذا بِهِمْ يَصيرُونَ إلى ما صارَ إليه متعصبةُ المذاهِبِ قبلَهُمْ: مذهبُنَا صوابٌ يَحْتَمِلُ الخطأَ؛ ومذْهبُ مُخالِفِينا خطأٌ يحتملُ الصوابَ!، على أنّهم فِي ذلك على مراتبَ مختلفةٍ قلَّ فيهمْ ذلك أو كثُر.
وهذه الأسْطُرُ الأخيرَةُ وحْدَها تَحْتاجُ إلى كلامٍ كثير، وإنما ذكرتُها هُنا لأنَبِّهَ على أنَّ مِثْلَ هذه الآفاتِ وَالمفاهِيمِ هِيَ التي أدتْ إلى تَعْمِيقِ جُذُورِ التنازُعِ والاخْتِلافِ؛ وإلى اطِّراحِ الاستفادةِ من جُهودِ الآخَرِين؛ وعَدَمِ الاعْتِدَادِ بِهم وبآرائهم؛ ولَوْ كانُوا أعْلَمَ باللهِ وأتْقَى لهُ مِنْ عَشَراتٍ من الأتْباعِ الذينَ لا يُحْسِنُونَ غَيْرِ تَرْديدِ ما يَسْمَعُونَهُ أو يُقالُ لَهم!.
وههنا أَصلٌ مهمٌّ هُوَ زُبْدَةُ البابِ ومَحْضُ اللبَابِ؛ لَم أَرَ من تَنَبهَ إليهِ ولا نبَّهَ عَلَيْه؛ طالَما رَأَيْتُ إِغْفَالَهُ؛ واشتكَى بسبَبِ إهمالهِ كثيرُونَ؛ ولله الأمرُ منْ قبلُ ومنْ بعدُ.
بيانُهُ: أنْ تَعْلَمَ أنَّ مِن أُصُولِ سِيَاسَةِ الناسِ العملَ على جَمْعِ الكلِمَةِ وتَضافُرِ الجُهُود؛ وذلكَ لا يَتِمُ إلا بِرُكنينِ ثابِتَيْنِ لا غِنَىً للبِناءِ عَنْهما ولا لأحَدِهِما عَلى الآخر: