الأول: سنة دينيةٌ شرعية؛ وهي ما أمرَ الله تعالى به من التراحُمِ والتوادِّ والتآلُفِ بينَ المؤمنين؛ مما لا يَخفى على أحدٍ من المسلمين؛ حتى لو قال قائلٌ: إن ذلكَ من المعلومِ من الدين بالضرورَةِ؛ لم يكن بعيدًا عن الصواب؛ كما أشرتُ إليَهِ فِي مَطْلَعِ الرسالة.
وأمّا الثانِي: وهو الذي رأيته غُفْلًا لا يكادُ يَتَنَبَّهُ له أَحَدٌ؛ فَهُوَ سنةٌ كونيةٌ قدريةٌ؛ يَتحتَّمُ علينا الجرْيُ على وَفْقِها والأخذُ بِها؛ وهي التي نحتاجُ إلى الوُقُوفِ عندها؛ وعَرْضِ أعْمالِنا عَلَيْها، إذْ كلُّ ما خَرَجَ في هذا الكَوْنِ عن سُنَنِ اللهِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ فَهُوَ آيِلٌ إلى الفَشَلِ حاكِمٌ على نَفْسِهٍ بالفَناءِ ولا بَدَّ، فاحْفَظْ هذا.
وَلْيُعْلَمْ أولًا أنَّ من أعظمِ هذه السنَنِ هيَ المدلولَ عليها بِقول الله تعالى: {وَخَلَقْنَاكُمْ أَطْوَارًا} ؛ وبقولِهِ تَعالَى: إنَّ سعْيَكُمْ لَشتّى؛ وقَولِهِ: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} ، وغَيْرِها مِنَ الآيات؛ ومعنى ذلك أنّ الله تَعالَى جَعَلَ الناسَ على مراتِبَ مُتَفَاوِتَةٍ؛ وقَسَمَ بَيْنَهُمُ العلومَ والعُقولَ والمعارفَ والمواهبَ والمهارَاتِ؛ كما قَسَمَ بَيْنَهُم الأرزاقَ؛ ولا فَرْقَ!؛ فعالِمٌ وجَاهِلٌ؛ وذَكِيٌّ ودُونَهُ؛ وأَمِيرٌ ومَامُورٌ؛ وسيِّدٌ ومَسُودٌ؛ وغَنِيٌّ وفَقِيرٌ؛ وصانِعٌ وأَخْرَقٌ؛ وكَاسِبٌ وكاسِد؛ ٌ ونحوُ هذا.
روى الطبريُّ عن قتادَة: أنَهُ قَسمَ بَيْنَهُمْ مَعايِشَهُم كَما قسمَ بينهُمْ صُوَرَهُمْ وأخلاقَهمْ تَبَارَكَ ربنا وتَعَالَى.
وعنه أيضا: فمن فاضِلٍ ومُفْضُولٍ ورَئِيسٍ ومَرْءُوسٍ.
وزادَ ابنُ كثير: والمحاسِنَ والمساوِيَ، والمناظِرَ والأشْكالَ والألْوانَ.
وقال البَيْضاوي: ليَسْتَعْمِلَ بعضَهُمْ بعضًا في حَوَائِجِهِمْ فَيَحْصُلَ بَيْنَهُمْ تآلُفٌ وتضامٌّ يَنْتَظِمُ بذلكَ نِظَامُ العالَم.
وقال النيسابورِيُّ: واللامُ لامُ العاقبةِ؛ فإنَّ الإنسانَ خُلِقَ مَدَنِيًا بالطَّبْعِ.
و فِي أضْواءِ البيَانِ أنَّ الآيَةَ ومَثيلاتٍ لها دَلَّتْ على أنّ تَفَاوُتَ الناسِ في الأرْزَاقِ والحُظُوظِ سنةٌ مِنْ سُنَنِ اللهِ السمَاِويَّةِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ؛ لا يستطيعُ أحدٌ مِن أهلِ الأرض البتةَ تَبْدِيلَها ولا تحويلَها بوجْهٍ من الوُجُوهِ.
وفي ظلالٍ القرْآنِ في هذا الموْضِعِ كلامٌ حسَنٌ فارجِعْ إلَيْهِ إن شئتَ إليه.
وإذا عَلِمْتَ هذا فاعْلَمْ أنَّ العَمَلَ عَلَى وَفْقِ هذهِ السنَّةِ بإنزالِ كلٍّ منْ هؤلاءِ مَنْزِلتَه؛ وَوَضْعِهِ في القَدْرِ الذي وَضَعَهُ الله فيه؛ فلا يُرْفع فَوْقَ مَكانَتِهِ ولا يُحَطُّ عن مَرْتَبَتِهِ، وذلكَ يَسْتَلْزِمُ في سِياسَةِ الناسِ أمورا:
أن يُوكلَ إلى كلٍّ من العملِ ما يَلِيقُ بهِ وهوَ أهْلٌ له؛ وذلكَ مِنْ مَطالِبِ الشرْعِ المُطَهّر؛ عَلَى الوَجْهِ الذي تتحقَّقُ به مصلحةُ الأمةِ كافةً؛ وذلك باسْتِفْراغِ الانتفاعِ بما أَوْدَعَهُ اللهُ فِيهِ مِنَ المواهِبِ ما كانَ ذلكَ مُمْكِنًا؛ حيثُ يكونُ تعطيلُ الفردِ عن القيامِ بِها تعطيلًا لمصَالِحِ المسلمين؛ ولو كانَ ذلك بِشغْلهِ في مَصْلَحةٍ أخرى؛ لكنَّها متى قُورِنَتْ بما يستطيعُ أداءَهُ والقيامَ بهِ كانتْ عدمًا أو كالعَدَمِ؛ وذلك كمنْ يأمرُ أستاذا جامعيًا متخَصصًا في طبِّ الجراحَةِ مثلًا أن يُدَرِّسَ عِلْمَ الأحياءِ للصفوفِ الابتدائيةِ!.
فمثلُ هذا مهما ذُكِرَتْ له من الأسبابِ والتبْرِيراتِ تعطيلٌ لِمَصْلَحَةٍٍ كُبْرَى؛ ومجلبةٌ للمُنافَرةِ والمصادَمَةِ بين الآمِرِ والطبيبِ المذكُورِ!؛ فلو أن الطبيبَ امتنعَ حينئِذٍ عَنِ العَملِ؛ أو خالفَ الآمِرَ لم يَكُنْ مَلُومًا؛ حتى ولو عارَضَهُ الآمَرُ بأن الواجبَ عليه التزامُ الامْتَثالِ لأًمْرِهِ؛ كما يقالُ كثيرًا في مِثْلِ هذه المواطِنِ!.
وأمَّا الاحْتِجاجُ بِفِعْلِ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ معَ أبي ذرِّ لَمَّا أمَرَهُ بِسُكْنَى الربَذَةِ؛ وبِما يَجِبُ للأَمِيرِ منَ السمْعِ والطاعَةِ؛ وبأنَّ الأُمراءَ أقْومُ بِتَقْديرِ المصالِحِ؛ فذلك مُفْتَرَضٌ في إمامٍ تَجْتَمِعُ علَيْهِ كَلِمَةُ الأمَّةِ أولًا، و قِوامَتُهُ بِتَقدِيرِ المَصالِحِ تَرْجِعُ إلى تَمَكُّنِهِ منَ الاجِتِهادِ وبُلُوغِهِ رُتِبَتَهُ ثانيًا، لا فِي أميرٍ غايَتُهُ أَنْ يكُونَ أميرَ سَريَّةٍ أو أميرَ جُنْدٍ؛ ولمْ يَقَعِ اتفاقٌ مِنَ الأمةِ