الصفحة 10 من 85

عَلَيْهِ، ولا هُوَ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلى الفِقْهِ والعِلْمِ فَضلا عن الاجْتِهاد ومَنْزِلَتِهِ؛ ولِذا صِرْنا بَعْدَ البَحْثِ والنظَرِ إلى القَوْلِ بأنَّ الشورَى واجِبَةٌ على الأميرِ مُلْزِمَةٌ له؛ كما نُفَصِّلهُ في غيرِ هذا الموضعِ إن شاءَ الله؛ لأنَّ ذلكَ أنفَى للتُّهَمَةِ؛ وأبْعَدُ عَنِ الافْتِئاتِ علَى الأمَّةِ؛ وأرْعَى للَمَصْلَحَةِ؛ وغيرِ ذلكَ من الوُجُوهِ المُعْتَبَرة، ثمّ لا يَغِيبَنَّ عَنْ البالِ أنَّ مَقْصودَ الإمارةِ حصُولُ الشوكة؛ وذلك لا يتِمُّ إلا بالقهرِ والغَلَبَةِ؛ أو دُخُولِ الناسِ في طاعَةِ الآمر، والأولُ غَيرُ حاصِلٍ لأمراءِ الجهادِ؛ فلَيسَ إلا الثاني؛ ولا سَبِيلَ إليهِ إلا بِحُسْنِ الفقْهِ في سِياسَةِ الناسِ؛ ومُراعاةِ سُنَنِ اللهِ تعالَى في الكَوْنِ والحَياة.

وهكَذَا هُنا؛ فِي كُلِّ ما يَمُرُّ بالأمَّةِ مِن الأحوالِ وما تَقُومُ بهِ من الأعْمال؛ لا بُدُّ من مُراعاةِ هذا!؛ واعْتِبارِ فَضْلِ ذَوي الفضل مِنْ أَهْل العِلْمِ وأساطينِ الحلِّ والعَقْد، وهُمْ كَثِيرٌ فِي الأمَّةِ بِحَمْدِ الله؛ وإلا كانَ تَجاوُزُهُم من العُدْوانِ على حُقُوقِهِمْ المعْنَوِيَّةِ؛ وكَيْفَ يَستَقِيمُ القِيامُ بِمصالِحِ الأمَّةِ مَعَ إهْمالِ آرائهم؛ وعدمِ مراعاةِ ما أمرَ الله تعالى بمراعاتِهِ في حقهم؛ فلا اعتبارَ لِعِلْمٍ؛ ولا لقِدَمِ هجرةٍ ولا سابِقةِ سن؛ معَ أن هذه الأَوصافَ مجتمعةٌ مَوفورةٌ أو أكثرُها في كثيرٍ من هؤلاء؛ وقد جَعَلها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من مُوجِبِاتِ التَّقَدُّمِ في إمامةِ الصلاةِ؛ فلأن تَكونَ من مُوجباتِ التقدمِ في غيرِ الصلاة من بابِ أولى.

أقولُ: وهَلْ مِنْ مُناقضةٍ للسنَّةِ الكونِيَّةِ القدَرِيَّةِ في الاجتماعِ أعظمُ من هذا؟!؛ بل ينبَغي أن يكون العلمُ والسنُّ والخبرةُ موجبًا للتقدمِ ومزيدِ الفضل؛ ومن قواعدِ السياسةِ الشرعية العمليةِ إشعارُ صاحِبِ الفضلِ بالحاجة إليه؛ حتى وإن لم تكن هناكَ حاجةٌ تنزلا!؛ لأنها لا يمكنُ في الأعمال الأممية التي تنهضُ بِها الأممُ والدول أن يُستغنى عن رأيِ ذي رأيٍ أو فَضْلِ ذِي فَضْلٍ؛ بل نحنُ نرى الأمَمَ والدولَ تشتَرى آراءَ الرجالِ بنفائسِ الأَمْوال؛ نعم؛ وقد قال عبدُ الحميد الكاتبُ الأُمَوِيُّ المشهورُ رحمه الله يُوصِي أصحابَه في وزارة دِيوان الإنشاء فيقول: وإن أقعدَ أحدًا منكمُ الكِبَرُ عن مَكْسَبهِ ولِقَاءِ إخوانِهِ فَزُورُوهُ وعَظِّمُوهُ وشَاوِرُوهُ؛ واسْتَظْهِرُوا بِفَضْلِ تَجْرِبَتهِ وقَدِيم مَعْرِفَتِهِ؛ وليكنِ الرجُلُ منكم علَى من اصْطَنَعَهُ واسْتَظْهَرَ بِهِ لِيَوْمِ حاجَتِهِ أَحْوَطَ منه علَى وَلَدِهِ وأَخِيهِ. انتهى.

وزِدْ علَى هذَا أنّ المَسْلَكَ المَذْكُورَ فِيهِ جِنَايَةٌ عَلى حقِّ اللهِ وحقِّ المسلمينَ بِتَعطيلِ مَصَالحِ الدينِ والشرعِ ومَنْعِ المحتَاجِ إلى العِلْمِ والمَنْفَعَةِ مِنْهما؛ وَعَلَى من تولاهُ أنْ يُعِدَّ لهُ بينَ يَدِيِ اللهِ تَعَالَى جَوَابًا؛ عَلَى أَنَّنِي أُذَكِّرُ بِدُخُولِ مِثْلِ هَذَا فِي عُمُومِ قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .

ويَلْحَقُ بِهذا ما يَقَعُ منَ المُعاقَبَةِ بالمنعِ مِنَ العَمَلِ ولَوْ لأجلٍ محدُودٍ فإِنَّهُ خطأٌ محضٌ؛ إذ فيه جنايَةٌ على مصالحِ المسلمين؛ وليسَ تَعْطِيلًا للعامِلِ فَحَسْبُ؛ ولا تَجُوزُ عُقوبَةُ الفردِ بما يعودُ ضرُرُهُ على المجمُوعِ؛ ولأَنَّ مِثْلَ هذا النَّوْعِ منَ العُقُوبَاتِ المعمولِ بِها لا يَسْلَمُ مِن شَائبةِ الُميُولِ النَّفْسِيَّةِ.

لا يُقالُ هذا مِنْ قَبيلِ الزجْرِ بالهَجْرِ؛ فهُوَ بابٌ آخَرُ؛ إذْ لا يَلْزَمُ مِنَ العُقُوبَةِ بالهِجْرِ عَزْلُ العامِل؛ خاصَّةً مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وحَديثُ الثلاثَةِ الذينَ خُلِّفُوا دَليلٌ لهذا، كَما لا يُقالُ أيْضًا هوَ مِنْ ضُرُوبِ العَزْلِ لغَيْرِ الكُفْؤِ أو عَزِلِ مَن اتُّهِمَ بِرِيبَةٍ أو خِيانَةٍ؛ فالحديثُ ليسَ عَنْه.

وبالخُرُوجِ عَنْ هذه القاعِدَةِ وأمْثالِها مِنْ قَواعِدِ البِناءِ تُهزمُ الأممُ؛ وتُفَرَّقُ الجمَاعَاتُ؛ ويُقضى على الدول!؛ وهو عينُ الْمُصَادَمَةِِ لما أشرنا إليه من السنةِ الكونِيَّةِ فِي هذا؛ ولو أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما جاءه خالدُ بنُ الوليد رضيَ الله عنه مسلمًا لَمْ يَرْعَ ما جَبَلَهُ الله عليه من القِيادَةِ والمنْزِلَةِ والإمرةِ؛ لكانَ ذلكَ مِن دَواعِي نُفُورِهِ منَ الدين؛ ولو أنه لما قالَ له العباسُ: إن أبا سفيانَ رجلٌ يحب الفخرَ فاجعلْ له شيئًا، قال له: ما أبو سفيانَ وأدنى الْمُسلمين إلا شيئًا واحدًا؛ لكانَ ذلك سببًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت