الصفحة 67 من 85

بِسمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحِيم

الرسالةُ السابِعَة:

هَذا تَاويلُ رُؤْياي مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا

الحُمْدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ علَى رَسُولِ اللهِ مُحَمَّدٍ ومن ولاَه. أما بَعْد:

فَيَقُولُ خادِمُ العِلْمِ وأهْلِهِ، والمُتَشَرِّفُ بِتَبْلِيغِهِ وحَمْلِهِ، أَبو الوليدِ خالِد؛ أنْعَمَ اللهُ علَيهِ مِن دُرَرِ العِلْمِ بِكُلِّ طارِفٍ وتالد: إِنَّهُ لَما كانَ أوَاخِرُ الثُلُثِ الأوَّلِ مِن سَنَةِ (1420) وذلكَ قَبْلَ ما عُرِفَ بِأحْداثِ (الحادِي عَشَرَ) بِنَحْوِ عامِ ونِصْفِ عام؛ أوَيْتُ إلَى فِراشِي فِي دارِ الهِجْرَةِ المَيْمُونَةِ قَرِيرَ العَيْنِ مُغْتَبِطًا بِحالِ الإمارَةِ الإسْلامِيَّةِ هُناكَ!، فَرَأَيْتُنِي فَيما يَرَى النائِمُ أَقِفُ وسْطَ مَدْينَةٍ فَسِيحَةِ الأرْجاءِ كَثِيرَةِ البِناءِ، غَيرَ أنَّ الأبْنِيةَ تَبْدُو عَتِيقَةً عَلَيْها آثارُ القِدِم، وجَمِيعُها مِن طَبَقَتَينِ أوْ ثَلاثٍ لا تَزِيدُ؛ إلاّ بِنايَةً واحِدَةً تَتَوَسَّطُ الأَبْنِيَةَ؛ خُيِّلَ إلَيَّ أّنَّها تَبْلُغُ نَحْوَ ثَلاثِينَ طَبَقَةً!، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إلَى هَذه البِنايَةِ ولا أُحَوِّلُ عَنْها بَصَرِي إِعْجابًا بِها!، فَإنِي لَواقِفٌ أَنْظُرُ إلَيْها وأُرْجِعُ البصَرَ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّة؛ إِذْ وَقَعَتْ فِي البَلْدَةِ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ عَمَّتْ أنْحاءَها؛ ورَأيْتُ مَعَها الدُورَ الصغِيرَةَ تَسْقُطُ واحِدَةً تِلْوَ الأخْرَى!؛ ثُمَّ نَظَرْتُ إلَى البِناءِ الكَبِيرِ يَسْقُطُ ويَمِيلُ مَيْلَةً واحِدَةً؛ حَتَّى رَأيْتُ أساسَ البِناءِ يُنْزَعَ مِن الأرْضِ نَزْعًا!!، فَوَقَعُ فِي نَفْسِي مِن ذلكَ خَوْفٌ شَدِيدٌ؛ وخَرَجْتُ مَعَهُ مِن المَدِينَةِ - وقَدْ جَعَلْتُها ورائِي مُسْتَدْبِرًا لَها - أَعْدُوا هارِبًا حاسِرَ الرّاسِ حافِيَ القَدَمَينِ؛ وكُنْتُ أَجْرِي علَى طَرِيقٍ مِن التُرابِ ولا أَدْرِي إلَى أَينَ!، لَكِنَّنِي ما أنْ جَرَيْتُ خُطُواتٍ مَعْدُودَاتٍ حَتَّى رَأَيْتُنِي أَعْدُوا فِي طَرِيقٍ مُسْتَقْبِلَ المَدِينَةِ علَى عَكْسِ الأولِ؛ ولَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ تَحَوَّلْتُ إلَيهِ!؛ وكُنْتُ فِي هَذا الطريقِ علَى حالٍ خِلافَ التِي كُنْتُ علَيها لَما خَرَجْتُ مِنها خائِفًا أتَرَقّب، فَوَجَدْتُنِي مَعَمَّمَ الرّأسِ؛ ألْبَسُ ثِيابًا جَدِيدَةً ونَعْلَيْنِ جَدِيدَينِ، ورَأيْتُ الطريقَ الذي أعْدُو فِيه إلَى المَدِينَةِ عَرْضَهُ ثَلاثَةَ أَذْرُعٍ تَقْرِيبًا؛ وقَدْ فُرِشَ بالبَلاطِ؛ وأَحاطَ بِهِ جِدارَانِ عالِيانِ مِن صَفائِحِ الحَديدِ إلاّ أنَّها خَضْراءُ اللون!، ورَأيتُ خَلْفِي رَجُلَينِ مِن الأعْداءِ يُجْهِدانِ نَفْسَيْهِما علَى اللحاقِ بِي وهُما لا يَقْدِرانِ علَى ذلكَ؛ فَأَسْرَعْتُ الجَرْيَ وهُما وَرائِي وأنا أسْمَعُ صَوتَ أنْفاسِي وأنْفاسَهُما حَشْوا تَرْبُوا شَيئًا بَعْدَ شَيءٍ؛ كما أَسْمَعُ صَوتَ قَدَمَيَّ وأَقْدامَهُما عَلَى الأَرْضِ، فَما كانَ إلا أنْ عَدَوتُ خُطُواتِ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهُنَّ مِن خَمْسٍ إلَى سَبْعٍ! حَتّى اسْتَقْبَلَنِي بابٌ مِن مِصْراعَينِ؛ فَدَفَعْتُهُما وَوَلَجْتُ البابَ وأغْلَقْتُهُ دُونَ العَدُوِّ ودَفَعْتُهُ بَيدَيَّ، فأخَذا يُحاوِلانِ فَتْحَهُ فَما اسْتَطاعا إلَى ذلكَ بِحَمْدِ اللهِ سَبِيلًا!، فَنَظَرْتُ خَلْفِي وأنا أَدْفَعُ البابَ لأَنْظُرَ إلَى أَينَ صِرْتُ، فَإذا بِي قَدْ رَجَعْتُ إلَى المَدِينَةِ التِي خَرَجْتُ مِِنْها، ورَأَيتُها ولا أَثَرَ فِيها لما سَبَقَ مِن الدورِ والأَبْنِيةِ، إلا أَنّنِي رَأيتُها مُنْبَسِطَةً علَى مَدِّ البَصَرِ مُتَرامِيَةَ الأطْرافِ والنَّواحِي؛ قَدْ فُرِشَتْ أرْضُها كُلُّها (بالإسْمَنْتِ) والحجارَة؛ وأُحِيطَتْ أطْرافُها بِجُدْرانٍ مَنِيعَةٍ صَلْبَةٍ تَتّصِلُ بِتِلْكَ الأَرْضِ وَتَرْتَفِعُ نَحْوَ قامَةٍ؛ كَما يُصْنَعُ فِي قَواعِدِ الأبْنِيَةِ الكَبِيرَةِ العالَيةِ، فَإمّا وقَعَ فِي نَفْسِي؛ وإما هَتَفَ بِي هاتِفٌ فقال: إنَّ تَغَيُّرًا عَظِيمًا سَيَطْرَأُ علَى حالِ الإمارَةِ هُناكَ!؛ وسَتُضْحِي مَعَهُ الإمارَةُ أشَدَّ رُكْنا وأعْظَمَ رسُوخا و أَحْكَمَ بِناءً!.

فَلما كانَت صَبِيحَةُ تِلك الليلَةِ حَضَرَ لِزيارَتِي بَعْضُ التلامِذةِ؛ فَدارَ حَدِيثٌ طَويلٌ ذَكَرا فِيهِ بَعْضَ ما يَأخُذهُ الناسُ علَى الإمارَةِ مِن النَّقْصِ والقُصُور، وما يَرُوجُ بَينَ عامَّةِ الناسِ مِن الجَهْلِ والبِدَع، فأجَبْتُهما بَكَلامٍ طَويلٍ؛ وبَيّنْتُ لَهُما ما يجَبُ علَينا من دَعْوَةِ الناسِ والأمرِ بالمعُروفِ والنهْي عن المُنْكَرِ، وأنَّ حالَ المُسْلِمِينَ فِي الضيقِ لَيسَ كَحالِهِمْ السعَةِ، وبَشّرْتُهما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت