خَيرًا وقَصَصْتُ علَيهما الرؤيا التي رَأيتُ، وقلتُ لَهما: هَذه بُشرَى بأنّ اللهَ تعالَى سَيُصلِحُ أحوالَ الناسِ والإمارَةِ في هذه البلادِ.
وتَصَرَّمَتِ الأيامُ والشهُور، وَأُنْسيتُ رُؤْيايَ التِي رأَيتُ!، وكانَ قَدْ عَنَّ لَي كُلُّ سَبِيلٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ وسِيلَةً لِصلاحِ الأحْوالِ إلاّ سَبِيلَ الابْتلاءِ والامْتِحانِ بِذاتِ الشوكَةِ وتَمْحِيصِ المُؤمِنينَ بِما وقَعَ مِنْ هَذه الحَرْبِ الصلِبيَّةِ، وللهِ عاقِبَةُ الأُمور، ولَمْ أَتَذكَّرِ الرؤْيا مِن بَعْدُ إلا حِينَ قامَتِ الحَرْبُ علَى قَدَمٍ وساقٍ، وانْقَسمَ الناسُ إلَى فُسْطاطَيْنِ، وانْحازُوا إلى المُعَسْكَرَينِ!؛ حِزْبِ اللهِ وأولِيائِهِ وأنْصارِهِ مِن المُجاهِدينَ ومَن والاهم؛ ومُعَسكَرِ الصلِيبِيّينَ ومَنْ أعانَهُمْ وناصَرَهُم، فَهُنالكَ قُلْتُ فِي نَفْسِي ولِمَنْ حَدَّثْتُهُ بِها مِن بَعْدُ: هَذا واللهِ تَأوِيلِ رُؤْيايَ!؛ ثُمَّ أصْبَحْتُ لا تَمُرُّ بِي حادِثَةٌ أوْ يَقَعُ لِي أمْرٌ إلا ذكَرْتُ مَوْضِعَهُ مِن الرؤْيا شِبْرًا بِشبْرٍ وذراعًا بِذِراعٍ، وجَرَتْ أمورٌ كَثِيرَةٌ يَطُولُ الآنَ شَرْحُها؛ لأَنّها تَسْتَغْرِقُ حَوادِثَ سِنين، وكُلُّها مِما دلَّتِ الرؤْيا علَيه، فَإنْ فَسَحَ اللهُ تعالَى فِي الأجَلِ رَأيْتَ ذلكَ إن شاءَ سُبْحانَهُ في (الرحْلَةِ الأنصارِيّةِ) ؛ وهُو كِتابٌ مُعْجِبٌ لا تَجِدُ لَهُ فِي زَمانِنا نَظِيرًا إن شاءَ اللهُ تعالَى، ولَعَمْرُ اللهِ إنّنِي لأشَدُّ فَرَحًا بِرُؤْيايَ هَذهِ - وهِي رُؤْيا حَقٍّ من اللهِ تعالَى إن شاءَ اللهُ تَحْقِيقًا لا تَعلِيقا - مِن الأُمِّ بِوَحِيدِها بَعْدَ طُولِ غِياب!، ونَحْنُ اليَوْمَ بِحَسْبِ ما وَقَعَ لِي مِنْها وبِحَسْبِ ما فَتَحَ اللهُ علَيَّ وعلَّمَنِي مِن تاويلِ الأحادِيثِ فِي الخُطُواتِ الأخَيرَةِ دُونَ البابِ الذي عُدْتُ إلى المَدِينَةِ مِنْهُ؛ وإغْلاقُ البابِ: هَزِيمَةُ العَدُوِّ ورَدُّهُ علََى أعْقابِهِ خاسِئًا وأنَّ اللهُ يَرُدُّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، والأساسُ الجَديدُ فِي أرْضِ المَدِينَةِ: تَمْكِينُ اللهِ للمُسْلِمِينَ وللإمارَةِ الإسلامِيَّةِ علَى أرْضِ أفْغانِستانَ ثانِيَةً، بِشارَةً لأهْلِ الإسلامِ، وإغاظَةً لِعَبَدَةِ الصُّلْبانِ والأوثانِ ولِمَنْ وَراءَهُمْ مِمَّنْ شَرَوْا دِينَهُمْ ... بَعَرَضٍ مِن الدنْيا قَلِيلٍ.
ولا يَغِيبَنَّ عَن بالكَ أَنَّ الرؤْيا بُشْرَى مِن اللهِ تعالَى، وهِي جُزْءُ مِن النُّبُوةِ علَى اخْتِلافٍ فِي عَدَدِ أجْزائها، وحَسْبُكَ مِن شانِها أنّ اللهَ تعالَى ذكَرَ فِيها سُورَةً كامِلَةً هِي سُورَةُ يُوسُفَ علَيهِ السلامِ، كما ذكَرَ فِيها أنهُ سُبْحانَهُ امْتَنّ علَى يوسفَ صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيهِ بِتَعْلِيمِهِ تَأوِيلَها، كَما آتَى العِلْمَ بِتأوِيلِها رَسُولَ اللهِ مُحَمَّدا صلَواتُ اللهُ وسلامُهُ علَيه.
وإنّما ذكَرتُ هَذه الرؤيا هُنا شَحْذا للهِمَمِ وإيناسًا لأهْلِ الإسلامِ وتَثْبِيتًا لأهْلِ الغُرْبَةِ فِي الدينِ، وإيحاشًا لِعَدُوِّ الدينِ؛ وإرْهابًا لَهُ منْ سَطْوَةِ الإسلامِ وأهْلِهِ؛ كَما حَصلَ فِي وقْعَةِ الزلاّقَةِ الشهِيرَةِ التِي كانَتْ بَينَ يُوسفَ بن تاشْفِينَ رَحِمَهُ الله وبَينَ النصارَى الصلِيبِيِّينَ فِي الأنْدلُس، وكانَ مَلكُ النصارَى قَدْ رَأى قَبلَ نُشوبِ الحَرْبِ رَجُلًا راكِبًا فِيلًا وفِي يَدِهِ بُوقٌ يَنْفَخُ فِيهِ!، فَدَسَّ رَجُلًا إلَى بَعْضِ عُلَماءِ المُسْلِمينَ يَسألُ عَن تَعْبِيرِها؛ فقالَ لهُ من صَاحِبُ الرؤْيا؟. قالَ: أنا، قالَ: كَذبْتَ؛ ما يَنْبَغِي أن تَكُونَ هَذه لكَ، وإنَّما هِي لِمَلكٍ من المُلُوكِ!، وتاويلُها: هَزِيمَتُهُ، وبَيانُ ذلكَ فِي قَولِهِ تعالَى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ} ، وفِي قَولِهِ فِي سُورَةِ المُدَّثِّرِ: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} !، فَلما شاعَ خَبُرُ الرُّؤْيا اسْتَبْشَرَ بِها المُسْلِمُونَ وانْقَبَضَتْ لَها قُلُوبُ النصاري، وكانَ الفَتْحُ والنصْرُ لأهْلِ الإسلامِ.
وهَكذا وَقَعَ أيْضًا فِي هَذه الحَوادِثِ، فَقَدْ كَثُرَتِ الرُّؤَى الصادِقَةُ إنْ شاءَ الله؛ مِما سَمِعْتُهُ مِن أَهْلِهِ، أو نُقِلَ لِي وحُدِّثْتُ بِهِ أوائلَ هَذه الحَوادِث، وكُلُّهُ بِمَعْنَى الرؤْيا التِي رَأيْتُها وأشَرْتُ إلَيها فِي صَدْرِ هَذه الرسالَة، وقَدْ رَأيْتُ بِفَضْلِ اللهِ وَحْدَهُ؛