الصفحة 69 من 85

وحُدِّثْتُ عَنْ مِثْلَ هَذا ما لا يَتِّسْعُ المَقامُ له، وإنَّما ذكَرْتُ بَعْضَهُ هُنا تَحَدُّثا بِنِعْمَةِ اللهِ عزَّ وجَل، فقدْ ثَبَتَ عن النَّبِيِّ صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيهِ أن رُؤْيا المُؤمِنِ فِي آخِرِ الزمانِ لا تَكادُ تَكْذبُ!، وأنَّ أصْدَقَ الناسِ رُؤْيا أصْدَقُهُمْ حَديثًا!، وأصْدَقُ الناسِ هُمُ المُجاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللهِ، وقَدْ وصفَهُمُ اللهُ تعالَى بالصدْقِ فِي غَيرِ ما آيةٍ وشَهِدَ لَهُم بهِ؛ كما قال: {يَا أَيُّهَا الّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِِقِينَ} ، وذلكَ - واللهُ أَعْلَمُ - كما ذكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ كالحافِظِ وغَيرِهِ؛ لِغُرْبَةِ المُسْلِم فِي آخِرِ الزَّمانِ وقِلَّةِ الأنْصارِ والأَعْوانِ؛ فَجَعَلَ اللهُ تعالَى الرُّؤْيَا الصالِحَةَ تَثْبِيتًا للمُؤْمِنِ وعَونًا لَهُ علَى طاعِةِ رَبِّهِ، والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمين.

لكِن لا بُدُّ هُنا مِن التَّنْبِيهِ علَى جُمْلَةٍ من الأُمور:

الأول: أَنَّ الرُّؤْيا لَيْسَتْ دَلِيلًا شَرْعِيّا يُرْجَعُ إلَيهِ فِي التَّفْريقِ بَينَ الحَقِّ والباطِل، فَإنَّ اللهَ تعالَى لَمْ يَجْعَلْ لِذلكَ إلاّ مِيزانًا واحِدًا هُو الشرْع، وطَرِيقُ حُصُولِهِ العِلْمُ بِكِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ صلّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ، وقَدْ يَكُونُ الرجُلُ صاحِبَ بِدْعَةٍ أو عاصِيًا فاسِقًا فَيَرَى الرؤْيا فِي مَنامِهِ ولا تَكُونُ دَلَيلًا علَى أنَّهُ مُحِقٌّ فِيما هُوَ علَيهِ، لكِنَّ الجاهِلَ لا يَدْرِي ذلكَ!؛ فَتَرَى الأشْياخَ مِن أهْلِ البِدَعِ يُسَيْطِرُونَ علَى المُرِيدِينَ والأتْباعِ بِمِثْلِ هَذا!، فإذا ذكَرْتَ لأحَدَهِمْ أنّ ما يَصْنَعُهُ بِدْعَةٌ أو مُخالِفٌ للسُّنَّةِ؛ أجابَكَ بأَنَّ شَيْخَهُ رَأى فِي المَنامِ رَسُولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسَلَّمَ أو فُلانًا مِن المَشايخِ أو مِن الصالِحينَ يَامُرُهُ بِذلكَ!، أو يَحْكُمُ لَهُ بِصَوابِ ما يَصْنَعُهُ؛ ونَحْوُ هَذا!، وانْظُرْ فِي كُتُبِ التَعْبِيرِ تَرَ كَثِيرًا مِن مُصَنِّفِيها ومَنْ يَنْقُلُونَ عَنْهُمْ فِي عِلْمِ التَعْبِيرِ مِن المُنْتَسِبِينَ إلَى البِدَعِ؛ كالنابُلْسِي صاحِبِ (تَعْطِيرِ الأنامِ) وغَيرِهِ، وإنّما يُعْتَبَرُ الرَّجُلُ بِدِينِهِ واتِّباعَهِ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ، وبتَقْواهُ للهِ تعالَى وامْتِثالِهِ لأَوامِرِهِ، فَمَنْ كانَتْ هَذهِ حالُهُ كانَتْ رُؤْياهُ رَبانِيَّةً صادِقَةً إن شاءَ اللهُ تعالَى، لأنّ صادِقَ الرؤْيا كَرامَةٌ مِن اللهِ تعالَى وهِي مِن عَلاماتِ الوِلايَةِ الرحْمانِيَّةِ، وبِهَذا تَعْرِفُ الفَرْقِ بَينَ هؤلاءِ وبَينَ أصحابِ الولايَةِ الشيطانِيةِ، كما ذكَرَ الشيخُ ابنُ تَيمَيَةَ فِي الفرْقانِ بينَ أولِياءِ الرحْمَنِ وأَوْلِياءِ الشيطان.

الثانِي: أنّ التواطُؤَ علَى الرُّؤْيا لا يَصَيِّرُها دَلِيلًا شَرْعِيًا يُرْجَعُ إلَيه، والحَقُّ أنَّ الرُّؤْيا الصادِقَةَ لا يُمْكِنُ أنْ تَقَعَ مُخالِفَةً للشرْعِ، وما كانَ مِنْها علَى خِلافِ الشرْعِ فَلَيسَ من الرؤْيا وإن تواطَأَ الناسُ علَيه، و ما وقَعَ مِنْ تواطُئِ أَصْحَابِ النّبِيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ علَى لَيلَةِ القَدْرِ فِي السبْعِ الأواخِرِ من رَمَضانَ - كما فِي حَدِيثِ الصحِيحَينِ - فَمِنْ هَذا البابِ، عَلَى أَنَّها كانَتْ بِإقْرارِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ؛ فَتَنَبَّه.

الثالِث: أنّ شَأنَ الرُّؤْيا الصالِحَةِ الحَثُّ علَى العَمَلِ والسعْيِ؛ ورَفْعُ الهِمَمِ للأَخْذِ بالأسْبابِ التِي أمَرَ اللهُ تعالَى بِها، لا التواكُلُ والقعُودُ والتكاسُلُ!، كما وقَعَ لَعْبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لما رَآى فِي مَنامِهِ الحَشْرَ والنارَ؛ فَقَصَّتْ حَفْصَةُ رُؤْياهُ علَى النّبِيِّ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ، فقال: نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ الليْلِ، فَكانَ عَبْدُ اللهِ لا يَتْرُكُ قِيامَ الليل، وهكَذا شَأنُ المُسْلِمِ مَعَ كُلِّ ما وَرَدَ مِن المُبُشِّراتِ، كأحادِيثِ الشفاعَةِ وخُرُوجِ المَهْدِيِّ ونُزُولِ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ وغَيرِ ذلكَ، فإنّها لا تَزِيدُهُ إلا يَقِينًا وإقْبالًا علَى الطاعَةِ، لا كَحالِ مَنْ لُبِّسَ علَيْهِ فَجَعلَ ذلكَ ذرِيعَةً لِتَرْكِ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ! حَتّى ظَنَّ أَقْوامٌ أنْ لا زَوالَ لِدَولَةِ اليَهُودِ عَن أرْضِ فِلَسْطِينَ إلا بِنُزُولِ عِيسَى بنِ مَرْيمَ علَيهِ السلامُ ونُطْقِ الحَجَرِ والشجَرِ؛ فَعَطّلُوا الجِهادَ وأسْبابَهُ لِذلكَ!، مِما نَحْتاجُ إلَى بِيانِهِ مُفَصَّلًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ شاءَ الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت