وقَدْ قالَ اللهُ تعالَى فِي كِتابِهِ الكَرِيم: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} .
فَدَلَّتْ هذهِ الآياتُ الكَرِيماتُ عَلى أنَّ فَوْزَ المُسْلِمينَ؛ لا لأَنَّ أمانِيَّهُمْ تَسْتَحِقُّ الفَوزَ!؛ بلْ لأنَّ أسْبابَ الفَوزِ والنجاةِ مَوفُورَةٌ فِي دِينِهِم الذِي ارْتَضاهُ اللهُ تعالَى لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، وفِي مُخاطَبَةِ المُسْلمينَ بِذلكَ قَبلَ ذِكْرِ أهْلِ الكِتابِ تَنْبِيهٌ عَلى ما يَنْبغَي من تَفْويضِ جَميعِ الأمورِ إلى حُكمِ اللهِ تعالى ووَعْدِهِ، وأنَّ ما كانَ خِلافَ حُكْمِهِ وَوَعْدِهِ لا يُعْتَدُّ بِه.
وسُنَنُ اللهِ تعالَى الكَونِيَّةُ القَدَرِيّةُ كأحكامِهِ الشرْعِيَّةِ لا تَتَغَيرُ ولا تَتَبدَّل، والأخْذُ بالمَقْدُورِ عَلَيهِ المَشْرُوعِ مِنْها تَوصُّلًا بِهِ إلَى ثِمارِهِ ونَتائِجِهِ أَصْلٌ ثابِتٌ وسُنَّةٌ لا تَتَخَلَّف، وقانُونٌ يَسْتَوي فِيهِ الأُممُ والبَشر، لا مَحِيدَ لأحَدٍ عَنْه؛ ولا مَناصَ من الاحْتِكامِ إلَيهِ، ولا مُحاباةَ فِيهِ لأحَدٍ، ولا تَنْخَرِمُ قاعِدَتُهُ المُطَّرِدَةُ، وكُلُّ سَبَبٍ تَوَصَّلَتْ بِهِ الأمَمُ الكافِرَةُ إلَى القُوَّةِ وحَصُولِ الغَلَبَةِ؛ ولا مُخالَفَةَ فِيهِ للشَّرْعِ بِوَجْهٍ من الوُجُوه؛ فالمُسْلِمُونَ أوْلَى بِهِ، والسعْيُ فِي تَحْصِيلِهِ من فُروضِ الكِفاياتِ التِي لا يَسعُهُم تَركُها.
وقَدْ قالَ رَبُّنا سُبْحانَهُ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} ، والذِينَ جاهُدُوا فِي اللهِ هُم المُؤْمِنُون، وهذَا الجِهادُ وإنْ كانَ هُوَ الصَّبْرَ عَلَى الفِتَنِ وَالأَذَى وَمُدَافَعَةَ كَيْدِ العَدُوِّ؛ إذْ لَمْ يَكُن جِهادُ القِتالِ قَدْ أُذِنَ بِهِ بَعْدُ عندَ نُزولِها؛ إلاَّ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللفْطِ فَتَعُمُّ جَمِيعَ أنواعِ الجِهادِ؛ كما تَتَناوَلُ الأعْداءَ الظاهِرَةَ والباطِنَةَ، والمُحْسنُونَ فِي هَذهِ الآيَةِ؛ قِيلَ: هُم المُوحِّدُونَ؛ قالَهُ ابنُ عباسٍ رَضيَ اللهُ عَنه، وقِيلَ: هُم المَجاهِدُونَ، وفِي هَذهِ الآياتِ ما يَزِيدُ الأعْداءَ مَهانَةً وغَيظًا؛ فإنَّهُم لا يَزالُونَ يُنكِرونَ فَلاحَ المُؤمِنينَ وظَفَرَهُم، فكَذبَهُم سُبْحانَهُ وبَكَّتَهُم بِما وَعَدَ بِهِ المُؤمِنينَ مِن الهِدايَةِ والتوفِيقِ إلَى سَبِيلِهِ هِدايَةَ علْمٍ وعَمَلٍ؛ وما ذكَرَهُ مِن مَعِيَّتِهِ لَهُم سُبْحانَهُ بلُطْفِهِ وعَونِهِ ونَصْرِهِ.
وَالإحْسانُ المذكُورُ فِي الآيَةِ يَشْمَلُ النياتِ والأقْوالَ والأعْمالَ، قالَ السعْدِيُّ فِي التفْسير: دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ أَحْرَى النَّاسِ بِمُوَافَقَةِ الصَّوَابِ أَهْلُ الجِهَادِ، وحَكى الماوردِيُّ عن بَعْضِ العُلماءِ أنَّ مَعْنَى {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} : أَنَّ الذِينَ يَعْمَلُونَ بِما يَعْلَمُونَ يَهْدِيهمُ اللهُ لِما لا يَعْلَمُونَ، وفِي هَذا ما يُحَفِّزُ الهِمَمَ ويَبْعَثُ العَزائِمَ إلَى بُلُوغِ أقْصَى المَقْدُورِ مِن الأسْبابِ التِي تُوصِلُ إلَى أشْرَفِ الغاياتِ، فَما عَلى المُسْلِمِ إلا أنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْصِيلِ ذلكَ، وهُو مَتَى فَعَلَ فاقَ الكافِرَ فِي هَذا وإنِ اسْتَويا فِي أصْلِ التوصلِ للمُسَبَّباتِ بالأسْبابِ، لأنَّ للإيمانِ باللهِ تعالَى ولليَقِينِ بِوَعْدِهِ والتوكلِ عَلَيهِ مَدْخَلًا عَظِيمًا فِي الدلالَةِ علَى الصحِيحِ من الأسبابِ كما دلَّتْ عَلَيهِ هَذهِ الآياتِ.
وصلّى اللهُ علَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسلَّمَ.
كانَ اللهُ له
أبو الوليد الغزيُّ الأنصاريُّ