الصفحة 51 من 85

الذِي يَمْتَلِكُ المُناوِؤُونَ للإسلامِ والمُعادُونَ لَهُ الوَسائِلَ التِي يُسَيْطِرُونَ بِها عَلَى الأفْكارِ والعُقُولِ، فَنَكُونَ نَحْنُ - بِإغْفالِنا ذلكَ - كَمَنْ يَبْذُلُ الجُهْدَ فِي حَرْثِ الأرْضِ وزِراعَتِها؛ ويَكْدَحُ فِي سِقايَتِها ورِعايَتِها، ثُمَّ يَحْصُدُ الزَّرْعَ غَيْرُهُ، ويَجْنِي الثِّمارَ سواهُ!.

وقَبْلَ أنْ نُجِيبَ عَن السُّؤالِ المَذْكُور، نُؤَكِّدُ ما أَكَّدْناهُ مِنْ قَبْلُ - فِي غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أَيْضًا - مِن ضَرُورَةِ العِنايَةِ بِأُصُولِ السياسَةِ الشَّرْعِيَّةِ ومَا اسْتَجَدَّ مِن نَوازِلِها؛ وأنْ يُجْعَلَ ذلكَ جُزْءًا مُهِمَّا مِن التَّرْبِيَةِ للأجْيالِ، لأَنَّنا بِذلكَ نَقْضِي علَى كَثِيرٍ مِن الأخْطاءِ والمَزَالِقِ التِي يَتَذَرَّعُ بِهَا المُغْرِضُونَ للنَّيْلِ مِنَ الإسْلامِ وشَرائِعِهِ ومِنْها الجِهادُ فِي سَبِيلِ الله.

ومِن الفِقْهِ فِي الدِينِ أنْ نُقَدِّرَ عَواقِبَ الأُمُورِ قَبْلَ الإقْدامِ علَيْها، وذلكَ لا يَكُونُ إلاَّ بِوَسِيعِ العِلْمِ بِكُلِّيَّاتِ الشَّرْعِ وأُصُولِهِ وقَواعِدِهِ؛ وعَمِيقِ الفَهْمِ لِواقِعِنا وما يُحِيطُ بِنَا مِنَ الحَوادِثِ والأُمُورِ، فَإنِ اقْتَضَى ذلكَ أنْ نَتْرُكَ المُباحَ أو المَنْدُوبَ أو الواجِبَ لما هُوَ أوْلَى مِنْهُ تَركْناه، وإنْ اقْتَضَى العُدُولَ عَن فِعْلِهِ فِي وَقْتٍ أوْ مَكانٍ أَرْعَى للمَصْلَحَةِ وأنْسَبَ لأُصُولِها أخّرْناهُ، وكُنَّا بِذلكَ قَدْ أخَذْنا بُيُسْرِ الإسْلامِ وسَماحَتِهِ؛ وراعَيْنا قِيامَ الدَّعْوةِ إلَى اللهِ والجِهادِ فِي سَبِيلِهِ علَى التَّوافُقِ بَينَ السُّنَنِ الشرْعِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ التِي تُوصِلُ إلَى نِهايَةِ المَطْلُوب.

وهَذا الذِي أشَرْنا إلَيْهِ من الإعْدادِ الواجِبِ الذِي نَتَصَدَّى بِهِ لِكَيْدِ عَدُوِّ الدِّينِ ومَكْرِهِ، ولَيْسَ ذلكَ هُوَ المُطْلُوبَ فَحَسْبُ؛ بَلْ إنَّهُ مِن حِمَايَةِ صُفُوفِنا فِي دَاخِلِها؛ ومِنْ إحْكامِ قَواعِدِنا، ومِن سَدِّ ثَغَراتٍ لا نَزَالُ نُؤْتَى مِن قِبَلِها!، وإلاَّ فَنَحْنُ مِن بَعْدِ ذلكَ نَحْتاجُ إلَى خَوْضِ المَيادِينِ وتَقَدُّمِ الساحَاتِ، وأنْ نَمْلِكَ زِمامَ المُبادَرَةِ فِي دِفاعِنا عَن دِينِنا وأُمَّتِنا.

وليَعْلَمِ السائِلُ - وَفّقَهُ الله - أَنّ تَبْدِيلَ الحقَائِقِ وإضاعَتَها بِتَبْدِيلِ أَسْمَائِهَا لِصَدِّ الناسِ عَنْهَا؛ وإِنْ كانَتْ قَدِيمَةً مِن صِفاتِ اليَهُودِ لَعَنَهُمُ اللهُ؛ إِلاَّ أَنَّهُ كَيْدٌ لا يَنْطَلِي إِلاَّ علَى ضِعافِ العِلْمِ والبَصِيرَةِ، وإِنَّما ذَمَّهَا اللهُ تَعَالَى فِي كِتابِهِ وَحَذَّرَ المسْلِمِينَ مِنْهَا لِمَا يَقْتَضِيهِ ذَلكَ مِنَ الفَسَادِ العَظيِمِ وَالشرِّ المُسْتَطِيرِ بِتَحْرِيفِ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ؛ وَتَعْطِيلِ أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى التِي شَرَعَهَا رَحْمَةً بالخلْقِ لِجَمْعِهَا بَيْنَ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، ولأنَّ العامَّةَ من الناسِ كَثِيرًا ما يَتَعَلَّقُونَ بِظَواهِرِ الأُمُورِ وتَغِيبُ عَنْهُمْ بَواطِنُها، ولِذا تَرَى الفِتِنَ والأباطِيلَ يَرُوجُ أمْرُهَا أَوَّلَ ما يَرُوجُ بَينَ العامَّةِ والجُهالِ مِن الناس؛ أوْ ضِعافِ العِلْمِ مِنْهُم، وَلأَجْلِ ذلكَ كانَ هَذَا الصَّنِيعُ مِنَ اليَهُودِ منْ أَعْظَمِ ذُنُوبِهِمُ التِي جَلَبَتْ سَخَطَ اللهِ عَلَيهِمْ واسْتَحَقُّوا بِهَا لعْنَةَ اللهِ سُبْحانَهُ وغَضَبَهُ، نَعُوذُ باللهِ تعالَى من ذلكَ.

وقَدْ قَالَ عَنْهُمْ سُبْحَانَهُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} ؛ ذَلكَ أَنّ اللهَ - سبحانه وتعالى - أَمَرَهَمْ أَنْ يَدْخُلُوا بَابَ بَيْتِ المقدسِ - وَهيَ الأرْضُ المقَدَّسَةُ التِي أُمِرُوا بِدُخُولِهَا؛ وَهِيَ القَرْيَةُ المُرَادَةُ هُنَا عَلَى الصَّحِيحِ؛ لا أَرِيحَا وَلاَ مِصْرُ كمَا قِيلَ-، وَكانَ هذَا لما خَرَجُوا مِن التِّيهِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَعَ يُوشَعَ بنِ نُونَ - عليه السلام -؛ وَفَتَحَها اللهُ علَيْهِ عَشِيَّةَ جُمُعَةٍ؛ وَحُبِسَتْ لَهُمُ الشَّمْسُ يَومَئذٍ قَلِيلًا حَتّى تَمَّ لَهُمُ الفَتْحُ, كَمَا ثَبتَ عَن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الصَّحِيحِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت