الصفحة 52 من 85

فَأُمِرُوا أَنْ يدخلُوا بيت َالمقدِسِ سُجّدًا وأنْ يقولُوا حِطةٌّ -أي: احْطُطْ عَنّا خَطَايَانَا وَاغْفِرْ لنَا ذُنُوبَنَا-، قَالَ ابنُ عباسٍ رَضِيَ الله عنهُما: مَغْفِرَةً واسْتَغفِرُوا، وَنَحْوُه عَن عَطاءٍ والحسَنِ وَقتادَةَ وغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُهُ: {سُجَّدًا} : أيْ: شُكْرًا للهِ تعالَى علَى الفتْحِ والنّصر، وَقيلَ غَيرُ ذلكَ، وَالمعَانِي مُتَقَارِبِةٌ، فَخَالَفُوا أَمْرَهُ - سبحانه وتعالى - ودَخَلُوا يَزْحَفُونَ علَى أَسْتاهِهِمْ وَيَقُولُونَ: (حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ) ! كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ وغَيْرِهما.

وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بنِ إسْحاقَ (حِنْطَةٌ فِي شَعيرَةٍ) رَواهُ عَن ابن عبّاسٍ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ وَعَطاءٍ ومُجَاهَدٍ وَعِكْرِمَةَ والضَّحَّاكِ والحَسَنِ وغَيْرِهِم، وَرَجّحَ بعضُ العُلَماءِ الأوّّلَ لكَوْنِهِ في الصَّحِيحَيْن.

قالَ ابنُ كَثِيرٍ: وحاصِلُ ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا أَمْرَ اللهِ لَهُمْ مِنَ الخُضُوعِ بالقَوْلِ وَالفِعْلِ فَأُمِرُوا أنْ يَدْخُلُوا سُجَّدا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتاهِهِمْ مِنْ قِبَلِ أَسْتاهِهِمْ رافِعِي رُؤُوسِهِمْ! , وَأُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ؛ أَي: احْطُطْ عَنّا ذُنُوبَنَا وَخطايانَا، فاسْتَهْزَؤُوا فَقَالُوا: حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ، وَهذَا فِي غَايَةِ ما يَكُونُ مِنَ المخَالَفَةِ والمُعَانَدَةِ، ولِهَذَا أَنْزَلَ اللهُ بِهِمْ بَاسَهُ وَعَذابهُ بِفِسْقِهِمْ - وَهُو خُرُوجُهُمْ عَنْ طَاعَتِهِ - وَلِذَا أَتَى بالظّاهِرِ مَوْضِعَ المضْمَرِ وَكَرّرَ وصْفَهمْ بالظلمِ لتعظِيمِ الأمْرِ علَيْهمْ؛ وَمُبالَغَةً في تَقْبيحِ فِعْلهِمْ وَشَانِهِمْ. انْتهى.

قالَ الكِيا الهرّاسيُّ: فيهٍ دليلٌ علَى أَنَّهُ لا يَجوزُ تغييرُ الأقوالِ المنصُوصِ عليهَا، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ اتِّبَاعُهَا.

وقال َالرازِيُّ: يُحْتَجُّ بهِ فِيمَا وردَ من التَّوْقِيفِ فِي الأَذْكارِ وَالأَقْوَالِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ تَغْييرُهَا.

ومن ذلك قوله تعالى عنهم: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} ؛ مَعْنَاهُ أَنّهُمْ كَانُوا يَتَأَوّلُونَ علَى غَيرِ تَاوِيلِهِ وُيُفَسِّرُونَهُ بِغَيْرِ مُرَادِ اللهِ تعَالَى قَصْدًا مِنْهُمْ وافْتِرَاءً عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: سَمِعْنا مَا قُلْتَهُ يا مُحَمَّدُ ولا نُطيعُك، {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} : أي: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ!، قاله ابنُ عباس؛ واخْتارَه ابنُ جَرِير.

وَيَقُولُونَ راعِنا: يُوهِمُونَ أَنّهُمْ يَقُولُونَ راعِنا سَمْعَكَ؛ وَإِنّمَا يُريدُونَ الرُّعُونَةَ، يَتَطاوَلُونَ بِذلكَ عَلَى مَقامِ النّبِي - صلى الله عليه وسلم -، فَيُظْهِرُونَ أَنّهُمْ يُريدُونَ المعْنَى العَرَبِيَّ؛ قيل: وَكَانَتْ لُغَةَ الأَنْصَارِ؛ وَهُمْ يُبْطِنُونَ السبَّ والسُّخْرِيَةَ؛ وَهُوَ مَعْنَى هَذَا اللفْظِ فِي لُغَتِهِمْ، فَنَهَى اللهُ تَعَالَى المؤْمِنينَ عَنْ أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِالكَافِرِينَ فِي مَقَالِهِمْ وَفِعَالِهِمْ، وَأَنْ يُخَاطِبُوا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بِما لاَ يَحْتَمِلُ النَّقْصَ وَلا يَصْلُحُ للتَّعْرِيض، ِ فلاَ يُجَارُوهُمْ فِي هَذَا اللفْظِ المُحْتَمِلِ؛ وَإِنْ كانُوا لاَ يَقْصِدُونَ إِلاّ المَعْنَى المشْرُوعَ، وَانْ يَعْدِلُوا إِلَى لَفْظٍ لاَ شُبْهَةَ فِيهِ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلَيمٌ} ؛ وقولُهُ: واسْمَعُوا: أي: اسْمَعُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ ونُهِيتُمْ عَنْهُ, فَأَطيعُوا اللهَ فِي تَرْكِ خِطَابِ النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِذَلِكَ اللفْظِ وَخَاطِبُوهُ بِمُا أُمِرْتُمْ بِهِ, ولاَ تُخَاطِبُوهُ بِمَا يَسُرُّ اليَهُودَ؛ بَل تَخَيَّرُوا لِخِطَابِهِ مِنَ الأَلْفَاظِ أَحْسَنَهَا وَمِنَ المَعَانِي أَدَقَّهَا.

قَالَ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَفِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى النّهْيِ الشدِيدِ وَالتَّهْدِيدِ وَالوَعِيدِ علَى التَّشَبُّهِ بِالكُفَّارِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَلِباسِهِمْ وَأَعْيادِهِمْ وَعبَادَاتِهم؛ وغَيْرِ ذلكَ مِنْ أُمُورِهِمُ التِي لَمْ تُشْرَعْ لنَا وَلَمْ نُقَرَّرْ عَلَيْهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت