وَقالَ أبو الطَّيِّبِ رَحمَهُ اللهُ فِي فَتْحِ البيانِ (1/ 173) : وَفِي ذلكَ دَليلٌ علَى أنه يَنْبَغِي تَجَنُّبُ الأَلْفَاظِ الْمُحْتَمِلَةِ للسَّبِّ وَالنَّقْصِ؛ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ المتَكَلِّمُ بِها هذَا المَعْنَى المُفِيدِ للشَّتْمِ سَدًا للذَّّرِيعَةِ وَدَفْعًا للوَسِيلَةِ، وَقَطْعًا لِمَادَّةِ المفْسَدَةِ والتَّطَرُّقِ إِلَيْهِ. انتهى.
قلتُ: فَهذَا من قَبائحِ اليهودِ الكَثِيرَةِ التِي بَيّنَها القُرْآنُ وَفصّلَها تَفْصيلًا، وَقَدْ عدَّ شَيْخُنَا أَبُو زَكَرِيّا -نفعَ اللهُ بهِ- فِي (مُقَدِّمَةِ التِّبْيَانِ) مِنْهَا فِي سُورَةِ البَقَرَةِ إِحْدى وَسَبْعِينَ قَبيحَةً، وفِي آل عِمرانَ: أَرْبَعينَ، وفِي النِّسَاءِ: خَمْسًا وَثلاثِينَ بِحَذْفِ التَّكْرارِ، وَفِي المائِدَةِ: خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ، وَفِي الأَعْرَافِ: إِحْدَى عَشْرَةَ، وَفِي التوْبَةِ: اثْنَيْ عَشَرَ، ثُم ذكرَ قبائِحَهم في بقيّة السُّورِ إلَى نِهايةِ المُصْحَفِ، وهِيَ نَحْوُ اثْنَتَيْنِ وَعشرين سُورَةً، والله أعلم.
فَجُمْلَةُ قَبائِحِهِمْ التِي ذَكرَها القرآنُ علَى هذَا مائَتانِ وَسِتٌّ وَثلاثُونَ قَبِيحَةً! بإِحْصَاءِ شَيْخِنَا، وَتَبْدِيلُ الأَلْفَاظِ واحدِةٌ مِنْهَا، واللهُ المسْتَعانُ.
قالَ شَيْخُنَا: والغَرَضُ مِنْ ذلكَ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِمْ وَالتَّحْذِيرُ عَمَّا ارْتَكَبُوا مِنَ القَبائِحِ والفَضَائِح؛ وَالمثالِبِ وَالمعَايِب.
قال: ثُمّ اعْلَمْ أن هذِه القبائحَ المذْكورَةَ سابقًا فِي اليهودِ والنّصَارَى انْتَقَلَتْ إِلَى هَذِهِ الأُمَّةِ حَسْبَ تَصْدِيقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ المَصْدُوقُ - صلى الله عليه وسلم: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ؛ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ؛ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ! قيلَ: يا رَسولَ الله اليهودَ والنصارى؟ قالَ: فَمَنْ؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (مقدمة التبيان: 285) .
وَهَكَذَا ثَبَتَ فِي السّنةِ أيضًا من حديثِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أَنّهم كانوا ياتُونَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فيقولُون: (السَّامُ عَلَيْكَ) بِغَيرِ اللامِ!؛ يُرِيدُونَ الموْتَ، فَيُجَيِّبهِمْ - صلى الله عليه وسلم - بِقَوْلِهِ: وَعَلَيْكُم. وَبِذَلِكَ أَمَرَنَا، فَإِنَّمَا يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ وَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَنَحْوُهُ عَنْ أَنَسِ بنِ مالكٍ - رضي الله عنه -، وَرَواهُ أَحْمَدُ فِي المسْنَدِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ورُوي عَن ابنِ عَبّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أنّ المنافِقِينَ كانُوا يَصْنعُونَ ذلكَ أَيْضًا.
وهو قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} ؛ وذكر المفسرون أنهم اليهود.
ثُمّ إِنّ هؤلاءِ الكفارَ أخذَ عنهم قبائحَهُم هذهِ كفارُ مكةَ ومُشْرِكُو قُرَيْشٍ لَمّا أرادُوا صدَّ الناسِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالُوا عنهُ شاعِرُ وَكاهِنٌ وَسَاحِرٌ ومَجْنُونٌ! , مع أنّهم كانُوا يَعْلَمُونَ أنهُ - عليه الصلاةُ والسلامُ - لم يكنْ فِي شَيءٍ مِنْ ذَلكَ؛ وَقَدْ برَّأَهُ اللهُ تعالَى مِنْ جَمِيعِه، فَهُمْ أهلُ اللغَةِ والبيانِ وأَرْبابُ الخطَابَةِ والبَلاَغَةِ والنثْرِ والشِّعْرِ، ومَعادِنُ الفَصَاحَةِ, وكانَ فيهمْ من فُحُولِ الشعراء منْ سارَتْ بأَشْعَارِهِمُ الرُّكْبانُ, وقَدْ لَبِثَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فيِهِمْ قَبْلَ ذلكَ عُمُراَ مديداَ؛ لَمْ يُحْفَظْ عنْهُ فيهِ ولا بَيْتٌ واحِدٌ مِنَ الشِّعْرِ, وقَدْ عَرَفُوهُ وعَرَفُوا بُحُورَهُ وَأَوْزَانَهُ، ثُم هُمْ قَدْ عَرَفُوا الكَهَانَةَ وزَمْزَمَتَهَا, والسحرَ وشَعْوَذَتَهُ ونَفْثَهُ, والجُنُونَ وخَنْقَهُ، فأيْنَ كُلُّ هذا مما كانُوا يَعرفُونَه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - منَ الصدْقِ والأمانةِ ورَجَاحَةِ العقلِ والبُعْدِ عن مواطنِ الطَّيْشِ والخِفَّةِ واللهْوِ والسَّفَهِ التِي كانَ يَرْتَادُهَا أكابِرُهُم والمعَظَّمُونَ فِيهِم؟! ومَعَ هذا كُلِّهِ لَمْ يَرْعَوُوا عَنْ تَزْوِيرِ الحقَائِقِ واخْتِلاَقِ الأَكاذِيبِ والفِرَى ورَمْيهِ بِكُلِّ ذلكَ لَمّا أَرادُوا تنفيرَ الناسِ عنهُ والحيلولةَ بينَهُ وبينَهُمْ.
وَعَلَى هذِهِ العادَةِ اليَهُودِيَّةِ جَرَى كُلُّ مَنْ يَرُومُ نَشْرَ الفَسادِ فِي البلاَدِ وبَيْنَ العِبادِ, وَمَنْ يَرْمِي إلَى تَرْوِيجِ باطِلٍ وتَلْبِيسِ الحَقِّ علَى الناسِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابنُ حَزْمٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي إِحْكامِ الأَحْكَامِ أنّ أوّلَ مَنْ كانَ يَفْعَلُ ذَلكَ هُمْ فُسَّاقُ