الصفحة 54 من 85

باعَةِ الحَمِيرِ!، فَإنّهُم كانُوا يَتَّخِذُونَ لها مَرَابِطَ يُسَمُّونَها بِأَسْماءِ القُرَى والبِلادِ، فَيقُولُونَ: مَرْبَطَ الكُوفَةِ ومَرْبَطَ البَصْرَةِ ومَربَطَ بَغْدادٍ؛ ونحوَ ذلك، فَإِذَا قَدِمُوا إِلَى السُّوقِ لِبَيْعِهَا قَالُوا: هَذَا وَاللهِ قَدْ جاءَ مِن تَوِّهِ مِن البصْرةِ أوْ مِنَ الكُوفَةِ أوْ غَيْرِها، فَيُخْدَعُ المُشْتَرِي لِما يَرَى بِها مِنَ الجلاَدَةِ والقُوَّةِ مَعَ كَونِها قَدِمَتْ مِنْ تِلْكَ الأَمَاكِنِ البَعِيدَةِ، فَيَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا لأَجْلِ ذلكَ!.

ومما ورد في هذا المعنى أيضًا ما حكاه الله تعالى عن فرعون أنه قال: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} ؛ يَخْشَى فِرْعَوْنُ أَنْ يُضِلَّ مُوسَى الناسَ ويُغَيِّرَ رُسُومَهُمْ وَتَقَالِيدَهُمْ وَعَادَاتِهِمْ وأَعْرَافَهُمْ!، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ فِي المَثَلِ: صارَ فِرْعَوْنُ مُذَكِّرًا: يًعْنِي وَاعِظًا يُشْفِقُ علَى الناسِ منْ مُوسَى - عليه السلام -.

وَحَكَى عَنْهُ - سبحانه وتعالى - قولَهُ عنْ نَفْسِهِ: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} ؛ أي: مَا أدْعُوكم إلاّ إلَى طريقِ الحق والصِّدق والرُّشد. وقد كذبَ - قاتَلَهُ اللهُ- وَإِنْ كانَ قومُهُ قدْ أَطاعُوهُ واتبعُوهُ، قالَ تعالَى: {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} ؛ وقال - سبحانه وتعالى: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى} .

واعْلَمْ أنَّ قوْلَ فِرْعَوْنَ هذَا عَيْنُ الْمُكَابَرَةِ وَالمُعانَدَةِ للحَقِّ أَنْ يُسَمِّيَ مَا عَلَيهِ هُوَ -منَ العلُوِّ والعُتُوِّ, والفَسادِ فِي الأرضِ, واسْتِضْعافِ الخَلْقِ, وجَعْلِهِمْ شِيَعًا, وَتَقْتيلِ أَبْنائِهِمْ, واسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ، مَعَ الطُّغْيانِ وَالجَبَرُوتِ والكُفْرِ المُسْتَبينِ- رَشَادًا، ومَا عليه موسى صلوات الله وسلامه عليه: مِنَ الدِّينِ والهُدَى وَدَعْوَةِ الناسِ إِلَى الإِسْلامِ وَالتَّوْحيدِ والفَلاَحِ والرُّشْدِ فَسَادًا!.

وَمِثْلُ هَذَا مَا كانَ يَزْعُمُهُ المُشْرِكُونَ فِي مَكَّةَ مِنْ أَنَّهُمْ أَوْلِياءُ البَيْتِ وأَهْلُ الحَرَمِ, وأَنَّهُم أَحَقُّ بِهِ مِنَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ومَنْ مَعَهُ, وأنَّهُم قائمُونَ بالعبادَةِ فيهِ: مِنَ الصلاَةِ عِنْدَهُ والطوافِ بهِ وَتَعْظِيمِ حَقِّهِ، وأنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ومَنْ مَعَهُ لاَ وِلايةَ لَهُم علَيْه ولا حقَّ لهم فيهِ؛ لأنهّم خالفُوا ما كانَ علَيْهِ قوْمُهُمْ ونَبَذُوا دِينَ الآباءِ وَالأَجْدَادِ وَجاءُوا بِما لا يَعْرِفُونَهُ هُمْ وَلاَ مَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِهِمْ، ولأَجْلِ ذلكَ مَنَعُوهُ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَهُ منَ البَيْتِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فكذَّبَهم الله تعالَى في ذلك كُلِّه وهَدَّدهمْ وتوعَّدَهم فقال سبحانَهُ في سُورةِ الأنفال: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ؛ أي: أنّ كفار مكةَ مُستحِقُّون لعذابِ الله لِمَا ارْتَكُبُوهُ من القبائح فلا شيءَ يمنعُ مِنْ تعذِيبِهِم، قيلَ: هو الأَسْرُ والقَتلُ يومَ بَدْرٍ، وقيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ، لأنَّهُم صَدُّوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأَصْحابَهُ عنِ البَيْتِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ كَمَا قالَ تعالَى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} ؛ وما كانُوا أَوْلياءَ البَيْتِ -كَمَا يَزْعُمُونَ- مَعَ ما هُمْ عَلَيْهِ مِن الكُفْرِ والشِّرْكِ، وإِنّما أولياؤُه المتقونَ المُجْتَنِبُونَ للشِّرْكِ والمعاصِي، قال مجاهدٌ: مَنْ كانُوا وَحَيْثُ كَانُوا، كمَا قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت