وَأَمَّا زَعْمُهُمُ القيامَ بالعبادةِ فما كان شيءٌ مما يَعُدُّونَهُ صلاةً وَعبادَةً إلأَّ مكاءً، أي: (صَفِيرًا) !، وهذَا مُبالَغَةٌ فِي تَقْبيحِهِمْ فإنَّهُ يُقَالُ: مَكَأَ اسْتُ الدَّابَّةِ إذَا نَفَخَتِ الرِّيحَ، وَتَصْدِيَةً: أي: تَصْفِيقًا وَصِياحًا، فَوضَعُوا ذلك موضعَ الصلاةِ قاصدِينَ بهِ أَنْ يَشْغَلُوا المسلِمينَ المُصَلِّينَ عندَهُ عن صلاتِهِمْ، فَفَوَّتُوا بذلِكَ مَا حَقُّهُم أنْ يَشْتَغِلُوا بِهِ فِي هذَا المكانِ مِنَ الصلاَةِ, وَشَغَلُوهُ بِهَذَا اللعِبِ والخُرَافِ والهَوَسِ، فَهَدَّدَهُمْ لأَجْلِ صَنِيعِهِمْ هَذَا، وبَالَغَ فِي إدِخْالِ الرَّوْعَةِ فِي قُلوبِهم فقالَ: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} , قالَ مُجاهِدٌ: عذابُ أَهْلِ الإِقْرَارِ بالسَّيْفِ, وَعَذَابُ أَهْلِ التَّكْذِيبِ بالصَّيْحَةِ وَالزَّلْزَلَةِ.
وَالمقْصُودُ تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الوُقُوعِ فِي مِثْل ذَلكَ، فَإنَّها خُطّةُ خَسْفٍ جَرَّتْ منْ فَسَادِ الديانَةِ وَتَعْطيلِ شَرْعِِ اللهِ وَأَحْكَامِهِ؛ ومُجَاوَزِةِ حُدُودِهِ والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ مَا لاَ يَعْلَمُ قَدْرَهُ إلاَّ اللهُ تَعَالَى, وَقَدْ كَثُرَ فِي زَمَانِنَا ذَلكَ لِغَلَبَةِ الشرِّ وانْحِسَارِ الخَيْرِ, وَقُعُودِ الكَثِيرِينَ مِنَ العُلَمَاءِ عَنْ وَاجِبِ الأَمْرِ بالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ, فَوقَعَ الناسُ فِي مِثْلِ مَا أَخْبَرَ بهِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَهَّ يَكُونُ فِي أُمَّتِهِ قَوْمٌ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِهَا!، فَهَكَذَا يَصْنَعُونَ الآنَ فِي مَسائِلَ كثيرة:
يُسَمُّونَ ما أَمَرَ الله تَعالَى بِهِ منْ تَوْحِيدِهِ وَإفْرادِهِ سُبْحانَهُ بالخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالنَّذْرِ والدُّعَاءِ وَالذَّبْحِ وَالتَّوَكُّلِ وَالإِنَابَةِ تَعَدِّيًا عَلَى حُرْمَةِ الأَوْلِياءِ وَتنقّصًا مِنْ مَقَامِهِمْ، وَيُسَمُّونَ عِبادَةَ غَيرِهِ سُبْحَانَهُ وَاتِّخَاذَ الأَوْلِياءِ مَعَهُ وَدُعاءَهُمْ والاسْتِغَاثَةَ بِهِمْ دِينًًا وَتَوْحِيدًا!.
وَيُسَمُّونَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ وَالتَّقَيُّدَ بِها فِتْنَةً وتَعالِيًا عَلَى الأَئِمَّةِ وَتَطَاوُلًا علَى العُلمَاءِ، وَبَلادَةً وَغَباءً!، وَيُسَمُّونَ نَبْذَهَا والتَّمَحُّلَ لِرَدِّها بِأنْواعِ التَّأوِيلاتِ الفاسِدَةِ؛ وَالتَّقْلِيدَ المَشْؤُومَ اتِّبَاعًا وَتَعْظِيمًا للمَتْبُوعِ؛ وتبجيلًا لِلْمُطاعِ، وَفِطْنَةً وَذَكاءً!.
وَيُسَمُّونَ التَّحَاكُمَ إِلَى دِينِ اللهِ وَكِتابِهِ وَشَرْعِهِ رَجْعِيَّةً وَتَخَلُّفًا وَتَعَنُّتًا وَتَضْييقًا، وَيُسَمُّونَ التَّهَافُتَ علَى الشَّرَائِعِ الوَضْعِيَّةِ الكَافِرَةِ تَقَدُّمًا وَتَيْسيرًا؛ وَتَوْسيِعًا وَتَسْهِيلًا!.
وَيُسَمُّونَ (الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ) - الّتِي هِيَ صَرِيحُ الكُفْرِ بِرَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ لأَنَّها تَقْضِي بِجَعْلِ آراءِ البَشَرِ وأَهْوائِهِمْ مَصْدَرًا للتَّشْرِيعِ والتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ - وَمَا شَاكَلَهَا مِنَ المذَاهِبِ وَالنِّحَلِ الْمُبْتَدَعَةِ الْمُحْدَثَةِ حُرِّيَّةً وحَضارَةً وتَنَوُّرًا، ويُسَمُّونَ مَا أَمَرَ اللهُ تَعالَى بِهِ مِنْ إِفْرادِهِ وَحْدَهُ بِحَقِّ التَّحْليلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالأَمْرِ وَالنَّهْيِ خَارِجِيَّةً وَتَكْفِيرًا وَتَشَدُّدا! ً.
وَيُسَمُّونَ مُوَالاَةَ الأَعْدَاءِ وَالْمُسَارَعَةَ فِي مَرْضَاتِهِمْ وتَمْكِينَهُمْ مِن دِيارِ المُسْلِمِينَ سِياسَةً وحِنْكَةً وحِكْمَةً ومَصْلَحَةً، وَيُسَمُّونَ مَا أَمَرَ اللهُ بهِ منْ مُعادَاتِهِمْ وَالبراءَةِ مِنْهُمْ ومِنْ أَدْيانِهِمُ الباطِلَةِ حُمْقًا وَرُعُونَةً وسَفَهًا وَخِفَّةً وَطَيْشًا!.
وَيُسَمُّونَ طَعْنَ الطّاعِنينَ - مِنَ مَرَدَةِ الإِنْسِ إِخْوانِ الشَّياطِينِ مِمَّنْ يُسمَّوْنَ بِالكُتَّابِ وَالشُّعَرَاءِ وَالأُدَباءِ والصُّحُفِيِّينَ - فِي اللهِ سُبْحَانَهُ؛ أَوْ فِي مَقَامِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ أَوْ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى؛ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ تَحَرُّرًا؛ وَحُرِّيَّةَ فِكْرٍ؛ وَصَوْتَ تَعْبِيرٍ؛