الصفحة 82 من 85

اعْتَرَفَ بِمَدينَةِ (الفاتيكان) دَولَةً مُستَقِلَّةً؛ واعْتَرَفَتِ الكنيسَةُ الرومانِيَّةُ الكاثولِيكِيّةُ بَأنَّ (رُوما) عاصِمَةُ إيطاليا، وقَدْ ثَبَتَ فِي مُسْنَدِ أحْمَدَ وغَيرِهِ من حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرو بنِ العاصِ أنَّ النبِيَّ صلّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ سُئِلَ أيُّ المَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أوَّلًا القسطَنْطِينِيَّةُ أوْ رُومِيَّةُ؟؛ فقالَ: مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا؛ يَعْنِي القسطنْطِينِيَّةَ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عَنْه: فِي تَخْصِيصِ ذِكْرِ رُومِيَّةَ بالفَتْحِ مَعَ تارِيخِها ومَكانَتِها الذَيْنِ أشَرْنا إلَيْهِمَا دَلِيلٌ عَلَى أنَّ المُرادَ خُضُوعُ الأُممِ الغَرْبِيَّةِ لِسُلطانِ الإسلامِ ودَولَتِهِ، لأَنَّ إخْضاعَ رُؤُوسِ الناسِ إخْضاعٌ لسائِرِهِمْ فَإنَّهُمْ للأَوَّلِينَ جُنْدٌ وتَبَعٌ، لكِنْ يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ التوفِيقُ بَينَ ما وَرَدَتْ بِهِ البشائرُ النَبَوِيَّةُ مِن ذلكَ؛ وبَيْنَ الأسْبابِ الموصِلَةِ إلَيْهِ، فإنَّ الإسلامَ يَشْمَلُ كُلَّ جوانِبِ الحَياةِ، ولا بُدَّ لَهُ من القُوَّةِ والدَّولَةِ، وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ من حَدِيثِ أبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أنَّ النِبِيَّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ قال: المؤمنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، فإذا كانَ هذا الحُكْمُ يَسرِي فِي الفَرْدِ فَسرَيانُهُ فِي الأمَّةِ مِن بابِ أولَى، فَيُعْلَمُ أنَّ الأُمَّةَ المُؤْمِنَةَ القَوِيَّةَ خَيرٌ وأحَبُّ إلَى اللهِ مِن الأُمَّةِ المُؤْمِنَةِ الضعِيفَةِ، وهذا بَيِّنٌ وللهِ الحَمْدِ، ولا سَبِيلِ لِتَحْقِيقِ رِسالَةِ الإسلامِ فِي الأرْضِ إلاَّ بالسعْيِ فِي ذلك، فكُلُّ سَبَبٍ مِن أسبابِ القُوَّةِ فالأُمَّةُ مَأمورَةٌ أنْ تاخُذَ بِهِ وأنْ تَسْعَى فِي تَحْصِيلِهِ، سواءٌ فِي ذلكَ القوةُ فِي أنواعِ العُلُومِ النافِعِةِ كُلِّها، (وكُلُّ عِلْمٍ يَنْفَعُ الإسلامَ فَهُوَ من الدِّينِ؛ ودَعْ عَنكَ التقْسيمَ المُخْتَلَقَ المَصْنُوعَ: عَلَومَ الدِّينِ وعَلُومَ الدُّنْيا!) ، أو القُوَّةُ المَعْنَوِيَّةُ، أو القُوَّةُ فِي المالِ، أو القُوَّةُ فِي الأبْدانِ والرجالِ.

قالَ أبُو الولََيدِ: الكلامُ فِي هذا البابِ يَحْتَمِلُ كَثِيرًا منَ البَسْطِ والتطْوِيلِ، لولاَ أنَّنِي شَرَطْتُ فِي هَذهِ الرسائلِ أنْ أكْتُبَها مِن رَأسِ القَلَمِ؛ لِتَكُونَ أسْهَلَ مُتَناوَلًا وأيسرَ مَاخَذًا لِعامَّةِ القُراءِ، ولَمْ أطَّلِعْ عَلَى شَيْءٍ كُتِبَ فِي هذا البابِ عَلَى الوَجْهِ الذِي أشرْتُ إلَيْهِ فِي الرسالَةِ، ويَنْبَغَي أنْ يكُونَ مِثْلُ هذا فَصْلًا من فَصُولِ السياسَةِ الشرْعِيَّةِ التِي يَرْغَبُ عَنْها كَثِيرٌ من المُتَعَلِّمِينَ، والنّيَّةُ مَعْقُودَةٌ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى علَى التفْصِيلِ فِي ذلكَ فِي كِتابِنا الذِي خَصّصْناهُ لِهَذا الفَنِّ.

وباللهِ تعالَى التوفِيقُ، وصلى اللهُ علَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسلم.

وكَتَبَهُ: خادِمُ العِلْمِ وأهْلِهِ:

كانَ اللهُ له

أبُو الوَلِيدِ الغَزِّيُّ الأنْصارِيُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت