الصفحة 81 من 85

الكَذَبِ قالَتْ: (كلامُ صُحُفٍ!) ، وذلكَ كُلُّهُ مِن كَيْدِ اللهِ تعالَى ومَكْرِهِ بِهِمْ، أنْ يَستَدْرِجَهُمْ إلَى ما فِيهِ ظُهُورُ الإسلامِ والتمْكِينُ لَهُ؛ وصَدَقَ مَن قالَ مِن أكابِرِهِمْ: إنَّ الإسلامَ كالمِسمارِ كُلَّما طَرَقْتَ عَلَيهِ ازْدادَ مَتانَةً وقُوَّةً ورُسوخًا!، وعُدُولُ العَدُوِّ إلَى سِياسَةِ المُراوَغَةِ وإغْراءِ العَداوَةِ بَيْنَ المُؤمِنِينَ والعَمَلِ عَلى إشاعَةِ الفَوضَى وبَلْبَلَةِ الأفْكارِ والمَفاهِيمِ؛ دَلِيلٌ ظاهِرٌ يَتَضَمَّنُ اعْتِرافَهُ بأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ قادِرًا علَى مُواجَهَةِ جُنْدِ الإسلامِ بالعَدَدِ والعُدَّةِ، ولِذا لَجَأَ إلَى الطَّرِيقِ الذِي ذكَرْناه.

ولَوْ أنَّ ناصِحًا أرَادَ نُصْحَهُ - والناسُ يَقُولُون: عَدُوٌّ عاقِلٌ خَيْرٌ مِن صَدِيقٍ جاهِلٍ - لَقالَ لَهُ: لَيْسَ لكُمْ مَخْرَجٌ مِمّا أنْتُمْ فِيهِ إلاّ بِواحِدٍ مِن أَمْرَينِ:

-إمّا أنْ تَلْزَمُوا مَرْكَبَ العِنادِ فِي هَذِهِ الحَرْبِ؛ وأنْتُمْ تَقُولُونَ - وقَدْ كَذَبْتُمْ: إنْ هِيَ إلاَّ حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ!؛ فَعَسَى هَذهِ الحَرْبُ أنْ تُثْبِتَ لَكُمْ كَذِبَ دَعْواكُمْ إذِنْ، بلْ هِي سَتَفْعَلُ يَقِينًا، ثُمَّ يُقالُ لَكُمْ:

وما الحَرْبُ إِلاَّ ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ ... ومَا هُوَ عَنْها بالحَدِيثِ المُرَجَّمِ

ولازِمُ هَذا العِنادِ - ولا بُدَّ - فُقْدانُ رِجالِكُمْ واصْطِلامُ أنْجادِكُمْ، فَقَدْ حُدِّثْتُمْ بأنَّ جُمُوعَكَمْ لَمْ تَزِدِ الإسلامَ والمُسْلِمِينَ إلاَّ صَلابَةً ولَمْ تَزِدْ عَزائِمَهُمْ إلاَّ مَضاءً، ولا نَعْلَمُ مُسْلِمًا فَهِمَ رِسالَةَ الإسْلامِ إلاّ والإسلامُ قَدْ مَكَّنَ فِي قَلْبِهِ وَوِجْدانِهِ مَعْنَى قَولِ الشاعِرِ:

ونَحْنُ أُناسٌ لا تَوَسُّطَ عِنْدَنا ... لَنا الصدْرُ دُونَ العالَمِينَ أو القَبْرُ

-وإمّا أنْ تَعُودُوا مِن حَيْثُ أتَيْتُمْ؛ فَتَستَبْقُوا بِذلكَ أنْفُسَكُمْ؛ وتَوَفِّرُوا مِن حُظُوظِها ما كُتِبَ لَكُمْ، فَإنَّ الذِي تَخْشَونَهُ مِن ظَهُورِ الإسلامِ والتمكِينِ لِسُلْطانِهِ فِي هَذِهِ؛ حاصِلٌ فِي الأوّلِ أيْضًا، ومَن كانَ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِن عَقْلٍ فَهَذهِ خَيرٌ لَهُ مِن الأولَى.

ولَيْسَ يَعْصِمُهُمْ مِن هَذا كُلِّهِ إلاَّ أنْ يَدِينُوا بالإسلامِ دِينًا، وإلاَّ فُهُوَ لَعَمْرُ اللهِ ذلُّ الدنِيا والآخَرَةِ.

وفِي مُسْنَدِ أحمدَ وغَيرِهِ أنَّ النبِيَّ صلى اللهُ علَيهِ وسلّمَ قالَ: لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ الليْلُ والنَّهارُ؛ وَلاَ يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدينَ؛ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلِّ ذَلِيلٍ؛ عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإسْلاَمَ؛ وَذُلاًّ يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ.

وعندِ مُسلمٍ وأبي داودَ وغَيرِهِما مِن حَدِيثِ شَدادِ بنِ أوسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أنَّ النّبِيَّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ قالَ: إِنّ اللهَ زَوَى لِيَ الأرضَ فرأيتُ مَشارِقَهَا وَمَغَارِبَها وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا!.

وهذا الوعْدُ سَيَقَعُ لا مَحالَةَ؛ لأنَّ خَبَرَ اللهِ تعالَى وخَبَرَ رَسولِهِ علَيهِ الصلاةُ والسلامُ حَقٌّ وصِدْقٌ، وهذانِ الحَدِيثانِ يَدُلاَّنَ علَى أنَّ مُلْكَ الإسلامِ سَيُطَبِّقُ أنْحاءَ الأرْضِ كُلَّها، ومِنْ ذلكَ (الأمْرِيكَتانِ) إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، وَكَمَا أخْبَرَ بِفَتْحِ القسطَنْطِينِيَّةِ ووقعَ ذلكَ بعْدَ إخْبارِهِ بِنَحْو ثمانِمائةِ عامٍ!، فكذلكَ هَذا؛ سَيقعُ كما أخْبرَ، وقَدْ ثَبَتَتْ عَنْهُ البُشرَى بِفَتْحِ رُوما؛ وهِي المدِينَةُ التارِيخِيةُ المَعْرُوفَةُ؛ التِي سُمِّيتْ لتارِيخِها الطويلِ بالمَدِينَةِ الأزَلِيَّةِ، وكانَتْ قَدِيمًا عاصِمَةَ الإمبراطُورِيّةِ الرومانِية، ويُقالُ فِي الأساطِيرِ إنها أُنْشِئَتْ عامَ (753) قبلَ المِيلادِِ، وفِيها اليَومَ مَدِينَةُ (الفاتِيكانَ) ؛ وهِيَ أصغَرُ دَولَةٍ مُستَقِلَّةٍ فِي العالَم، وَهِيَ مَقَرُّ (البابا) النصرانِي؛ والمركَزُ الإدارِيُّ والروحِيُّ للكَنِيسَةِ الرومانِيَّةِ الكاثُولِيكِيَّةِ، وكانَ المَلِكُ (فِكْتُور) قَدْ أنْهَى سُلْطَةَ (البابا) السياسِيّةَ وجعلَ رُوما عاصِمَتَهُ عامَ (1871) ؛ فلما كانَ عامُ (1929) للميلادِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت