الصفحة 80 من 85

وقالَ جَلَّ شأنُهُ: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} ؛ حذرهُ منَ الحُزْنِ علَيهِم إن لمْ يُؤمِنُوا؛ وأنْ لا يَضِيقَ صَدْرُهُ مِن مَكْرِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ طَرِيقَ دَفْعِ ذلكَ بِقَولِهِ: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} ، وفِيهِ أنَّ أَذى الكُفارِ لنْ يَضُرَّ المَقْصَدَ الأعْلَى منَ الرسالَةِ وهُو إظهارُ الدينِ وقَمْعُ المُفْسِدِينَ، لأنَّ اللهَ مُعِزٌّ دِينَهُ وناصِرٌ أولِياءَهُ وإنْ كَرِهُوا، شَرِيطَةَ الأخَذِ بِسَبَبِ التقْوى والإحْسانِ، والإحسانُ يَتَناولُ الإحْسانَ فِي الاعْتِقادِ والقَولِ والعَمَلِ، ومِن الإحْسانِ فِي العَمَلِ الحَيْطَةُ والحَذَرُ مِن كَيدِ العَدُوِّ بِما يَقْدِرُ علَيهِ المسلمونَ من الأسْبابِ.

ويُؤيِّدُ هَذا قَولُ اللهِ تعالَى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} ؛ أرْشَدَ إلَى طَرِيقِ تَلَقِّي أذى العَدُوِّ؛ وذلكَ بالصبْرِ والحَذرِ، قِيلَ: إنَّ المُرادَ أنْ تَصْبِرُوا عَلى عَداوَتِهِم أو علَى مشاقِّ التكلِيفِ، وَإنَّ قَولَهُ: {وتَتّقُوا} عَبَّرَ بِهِ عن الحَذرِ باتِّقاءِ كَيدِهِم وخِداعِهِم، وقِيلَ: تَتَقُوا مُوالاتِهِمْ وما نُهِيتُمْ عَنْه، وقِيلَ: عامٌّ فِي التقْوى؛ فيشْمَلَ اتقاءَ الشرْكِ كما رويَ عن ابنِ عباس؛ واتّقاءَ المَعاصِي كما رُوي عن مقاتل، وكُلُّ ذلكَ صوابٌ يَحْتَمِلُهُ مَعْنَى الآيةِ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى، و {كَيْدُهُمْ} فِي الآيَةِ: عَدَاوَتُهُمْ؛ كذا رُوي عن ابنِ عباس رَضِيَ اللهُ عنه، وقَولَهُ: {شَيْئًا} : نَكِرَةٌ فِي سِياقِ النَّفْيِ، قالَ فِي التحْرِيرِ والتنْوير: أَيْ بِذلِكَ يَنْتَفِي الضُّرُّ كُلُّّهُ لأَنَّهُ أَثْبَتَ فِي أَوَّّلِ الآيَاتِ أَنَّّهُمْ لا يَضُرُّونَ المؤْمِنِينَ إِلاّ أَذَىً، فَالأَذَى ضُرٌّ خَفِيفٌ، فَلَمَّا انْتَفَى الضّرُّ الأَعْظَمُ الَّذِي يَحْتاجُ فِي دَفْعِهِ إلَى شَدِيدِ مُقَاوَمَةٍ مِنَ القِتالِ وَحِراسَةٍ وَإنفاقٍ، كانَ انتِفَاءُ مَا بَقِيَ مِنَ الضُّرّ هيّنًا، وَذَلكَ بالصَّبْرِ علَى الأَذَى، وَقلّة الاكْتِراثِ بِهِ، معَ الحذَرِ مِنْهُمْ أنْ يَتَوَسَّلُوا بذلكَ الأذَى إلَى ما يُوصِلُ ضُرًّا عَظِيمًا. انتهى.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللهُ عنه: قَدْ يُستَشْكَلُ ذلكَ مَعَ ما يُصِيبُ أهْلَ الإسلامِ مِنَ القَتْلِ والإخْراجِ من الديارِ ونَحْوِ ذلكَ مِمّا قَدْ يُبْتَلَونَ بِهِ؟.

والجَوابُ: أنَّ الكَيْدَ المَنْفِيَّ هُوَ الكَيْدُ الذِي تُسْتَأصَلُ بِهِ شَأفَةُ الإسلامِ وتَصْطَلَمُ بِهِ دَعْوَتُهُ، فَهَذا هُوَ الذِي وَعَدَ اللهُ تعالَى بِحِفْظِ الإسلامِ مِنْهُ، لأنَّهُ الدِينُ الخاتَمُ الذِي ارْتَضاهُ لِعِبادِهِ ولا يَقْبَلُ مِن أحَدٍ سواهُ، وقَدْ اسْتَجابَ اللهُ تعالَى دُعاءَ نَبِيِّهِ صلّى اللهُ علَيهِ وسلمَ بأنْ لا يُسَلِّطَ عَلَى أمّتِهِ أحدًا مِن غَيرِهِمْ يَستَبِيحُ بَيضَتَهُمْ ولَو اجْتَمَعَ عَلَيهِم مَن بأَقْطارِها!؛ فأعْطاهُ ما سألَ، كما رواهُ مُسلمٌ وغَيرُهُ من حَدِيثِ ثَوبانَ رَضِيَ اللهُ عَنه، أمّا ما يُصِيبُ المُسْلِمِينَ منَ الابْتِلاءِ والامْتِحانِ فِتْلكَ سُنَّةٌ تَوافَقَ فِيها الشرْعُ والقَدَرُ، ولَمْ يَشْرِطِ الإسلامُ لأحَدٍ مِمَّنْ يَدِينُ بِهِ أنْ يَسْلَمَ مِن كُلِّ أذَى، فإنَّ ذلكَ خارِجٌ عَن سَنَّةِ اللهِ تَعالَى التِي اقْتَضَتْ أنْ تكُونَ هَذهِ الدارُ دارَ ابْتِلاءٍ وامْتِحانٍ.

ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّ دَعْوَةَ الإسلامِ لا يَزِيدُها التعَرُّضُ للمِحَنِ إِلاّ صَفاءً وثَباتًا؛ كَما يَحْمِلُ الناسَ علَى التمسُّكِ بِها وإقْبالِهِمْ علَيْها، ومِن تَتَبَّعَ التارِيخَ الإسلامِيَّ ثَبَتَتْ لَهُ صِحَّةُ هَذهِ الدَّعْوى، وفِي الحَرْبِ الصلِيبِيَّةِ القائِمَةِ اليَومَ علَى الإسلامِ والمُسْلِمينَ ما يَدُلُّ لِهَذا أيْضًا، خاصَّةً وأنَّ الذِي تَولَّى كِبْرَ هَذهِ الحَرْبِ لَهُ مِن (الحُمْقِ) فِي السياسَةِ باعٌ طَويلٌ!، مَعَ كَونِهِ مِن الصنْفِ الأولِ ظاهِرِ العَداوَةِ بَيِّنِ الخُصُومَةِ الذِي أشرْنا إلَيْهِ سابِقًا، فإنَّ الذِي رَأَيْناهُ أنَّ حَرْبَهُ هَذهِ لَم تَزِدِ الناسَ إِلاَّ اسْتِمْساكًا بالإسلامِ؛ وإقْبالًا عَلَيْهِ، وحَبًّا للجِهادِ فِي سَبِيلِ اللهِ تعالَىِ، وهُوَ يَعْلَمُ ضِدْقَ ما نُقُولُ ولا يَخْفَى عَلَيهِ؛ إلاَّ أنْ يُنازِعَ فِي ذلكَ مُكابَرَةً وعِنادًا للحَقِّ ولُزومًا لِمَطِيَّةِ العَصَبِيَّةِ والهَوى، وما يُشِيعُهُ مِن خِلافِ ذلكَ فالناسُ يَعْلَمُونَ كَذِبَهُ فِيهِ، فَإنَّهُ لا وَسِيلَةَ لَهُ يَبْلُغُ عَن طَرِيقِها إلَى الناسِ إلاَّ وسَائلَ الإعلامِ، والعامَّةُ إِذا أرادَتْ أنْ تَضرِبَ مَثَلًا للمُبالَغَةِ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت