تُذكّرُ غَافِلًا بَسَطَ يَدَيْهِ إلَى أَعْراضِ المُسلمِينَ وأَبْشارِهِم بالسّوءِ فَيَتَنَبّهَ، أوْ تَرْدَعَ عادِيًا غَرّهُ سُلْطانُهُ فاسْتَباحَ ما حَرُمَ عَلَيهِ ونَسِيَ اللهَ رَبّهُ!.
ألاَ وإنّ أظْلَمَ الظلْمِ - بَعْدَ الشْركِ باللهِ تَعالَى وإقْصاءِ شَرِيعَتِهِ مِن حَياةِ المُسلِمينَ - التّطاوُلُ علَى أكابِرِ الأُمّةِ وعُلَمائِها وأهْلِ الفَضْلِ فِيها، فإنّ انْتِقاصَ الأكابِرِ والعُدْوانَ علَى العُلماءِ فِي أُمّةٍ مِن الأُمَمِ مُؤْذِنٌ بِزَوالِ سُلْطانِها وذَهابِ دَوْلَتِها، قاعِدَةً شَرْعِيّةً وسُنّةً كَوْنِيّةً قَدَرِيّةً نَطَقَ بِها الكِتابُ الكَريمُ؛ وصَدّقَها نَبِيُّ الإسلامِ علَيهِ أفْضَلُ الصلاةِ والتّسلِيمِ، واسْتَقْرَانَاها فِي صَفَحاتِ التارِيخِ سَبَبًا مُطّرِدًا لِزَوالِ المُلْكِ والسْلطانِ، لا يَشْفَعُ للأمّةِ - إن هِي اسْتَمْرَأَتْ ذلكَ - أنْ يَطُولَ عَهْدُها بِهِ ولا أنْ تَتَوَارَثَهُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وكانَ حُكماءُ الفرْسِ يقولون: إذا لَمْ يكُنِ المَلِكُ مُنْصِفًا عادِلًا فَهُوَ لِصٌّ مُتَغَلّبٌ، وَسُنَنُ اللهِ تَعالَى لا تُحابِي مِن الخَلْقِ أحَدًا!، فإنْ كانَ ذلكَ الظلْمُ للآمِرِينَ بالمَعْرُوفِ والناهِينَ عَن المُنْكَرِ مِن العُلَماءِ ? كَما وَقَعَ للشيخِ ويَقَعُ لإخْوانِهِ فِي بِلادِ الإسلامِ ? فَنَذِيرُ شُؤْمٍ واللهِ، وبَابٌ ذُو عَذابٍ بَئِيسٍ يَكادُ يُفْتَحُ لَولاَ اللهُ جَلّ فِي عُلاهُ، أمّا إنْ كانَ مُناصَرَةً وإعانَةً للكافِرِينَ علَى أولِياءِ اللهِ المؤمِنينَ فَهُوَ لَعمْرُ اللهِ الفَتْقُ الذِي لا يُرْتَقُ، وقَدْ عَدّهُ جَماعَةٌ مِن عُلماءِ المُسْلمينَ ومِنهمْ جَماهِيرُ المالِكِيّةِ رِدّةً عن دِينِ الإسلامِ.
إنّ الأمَمَ إنّما تَحْيا بِحَياةِ عُظَمائِها ورِجالِها، وَيَرْتَقِي شأنُها ويَرْتِفعُ قَدْرُها بِقَدْرِ ما تُحافِظُ على أَقْدارِ الرجالِ، وقَدْ قِيلَ: لا يَعْرِفُ أقْدارَ الرجالِ إلا الرجال، وكُلُّ أمّةٍ تَسْتَهِينُ بِعُظَمائِها ولا تُنْزِلُهُم مَنازِلَهُمْ أُمّةٌ لا تَسْتَحِقُّ الحَياةَ!، وعُظَماءُ الأُمّةِ الإسلامِيّةِ هُمْ عُلَماؤُها الخَبِيرُونَ بِمَصالِحِ دُنْياها وآخِرَتِها؛ البَصِيرُونَ بِما يُرَادُ بِها مِن الكَيدِ فَهُم قائِمُونَ علَى ثُغُورِها خَشْيَةَ أنْ يُؤْتَى المُسلِمونَ مِن مَامَنٍ هُمْ عَنْهُ غافِلُونَ؛ الآمِرُونَ بالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَن المُنْكَرِ، وما رأَيْنا مِن هَؤلاءِ أحدًا يَسألُ الناسَ عَلَى دَعْوْتِهِ مالًا ولاَ أجْرًا!، فَما بالُ الناصِحِينَ إن صَدَقُوا اللهَ ثَمّ صَدَقُوا أُمّةَ الإسلامِ أَغْضَبُوا المَلأَ فَأجابُوهُم بأَنواعِ الظلْمِ وصُنُوفِ الأَذى!، ثُمّ إنْ كَذبَهُمُ النّصْحَ آخَرُونَ تَنَعّمُوا بِما يَتَنَعّمُ بِهِ المَلأُ المُتْرَفونَ؟!!.
والعَجَبُ أنْ يَكُونَ هذا فِي حِينِ اشْتِدادِ حاجَةِ الأُمّةِ لِعُلمائِها؛ وقَدْ أُحِيطَ بِها تَآمُرًا وكَيدًا، فَكانَ القائمُ علَى ذلكَ والساعِي فِيهِ شَرِيكًا لِعَدُوّها فِيما يُرادُ بِها؛ سِيّانِ مِن حَيْثُ يَعْلَمُ أو مِن حَيثُ لا يَعْلَمُ، وَالقَومُ ما بَرِحُوا يَتّبِعُونَ الأُمَمَ الغَرْبِيّةَ حَذْوَ القُذّةِ بالقُذّةِ!، فَمالَهُمْ ? وقَدْ رَضُوا لأَنْفُسِهِمُ الوُقوفَ عِنْدَ ذلكَ ? لَم يَاخُذُوا مِن مَحاسِنِ تِلْكَ الأُمَمِ ما فِيها مِن العَدْلِ ومَعْرِفَةِ أقْدارِ الرجالِ؟!.
وإنّ فِي هذهِ الجُرْأَةِ المُتَهالِكَةِ علَى عُلَماءِ المُسْلِمينَ لَجُرْأَةً علَى دِينِ الإسلامِ كُلّهِ، فَلا جَرَمَ أنْ غَلّظَ طائِفَةٌ مِنَ العُلماءِ فِي ذلكَ فَضَاهَى بَينَ السّخْرِيَةِ بِهِمْ وتَنْقِيصِهِمْ وبَينَ السخْرِيَةِ بِدِينِ الإسلامِ وتَنْقِيصِهِ!، لأَنّ الحطّ مِن أقْدارِهِمْ وسَيلَةٌ إلَى ما هُوَ أعْظَمُ مِن العُدْوانِ علَيْهِمْ، والعُدْوانُ علَيهِم جِسْرُ العُدْوانِ علَى دِينِ الإسلامِ، وبُرْهانُ ذلكَ أَنّنا لَم نَرَ العُدْوانَ علَيْهِم إلاّ مِمّنْ لا يُقِيمُ لِدِينِ الإسلامِ وَزْنًا!، ولا يَرْفَعُ بأحْكامِ الشرْعِ رَاسًا!، وَكُلُّ حُكْمٍ صَدَرَ عَن غَيرِ مِشكاةِ الوَحْيَيْنِ الشريفَينِ ? فِي حَقِّ الشيخِ أو غَيرِهِ مِن عُلَماءِ المُسلمينَ - فَهُوَ عَينُ الظلْمِ والعُدْوانِ وإنْ سَمّاهُ الناسُ عَدْلًا، والواجِبُ المُبادَرةُ بإنْكارِهِ اهْتِداءً بِما امْتَدَحَهُ اللهُ تعالَى وأثْنَى علَيهِ من قَولِ مُؤمِنِ آلِ فِرْعَونَ: ?أَتَقْتَلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبّيَ اللهُ?؟!؛ وقَدْ قالَها الصّدّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِنَفَرٍ من قُرَيشٍ حِينَ آذَوْا رَسولَ اللهُ صلّى اللهُ علَيهِ وسلمَ حَوْلَ الكَعْبَةِ.