الصفحة 23 من 85

وهَكَذا كانَ حالُ الديانَةِ البُوذيَّةِ التِي ازْدَرَتْ الحَياةَ البَشَرِيَّةَ؛ وَزَعَمَتْ أنَّ الوِلادَةَ أمُّ الشرُورِ كُلِّها!، ودَعَتْ إلَى قَطْعِ الإنْسالِ جُمْلَةً واحِدَة، وهِي المَسْألَةُ التِي تَفَرَّعَتْ عَنْها فَلْسَفَةُ (شوبنهَور) .

والنَّزْعَةُ السُّلُوكِيَّةُ المُوجُودَةُ عِنْدِ طَوائفِ المُتَصَوِّفَةِ المُنَتَسِبَةِ إلَى الإسلامِ - والتِي تَطَوَّرَتْ إلَى فَلْسَفَةٍ تَتَناقَضُ مَعَ مَنْهَجِ الإسلامِ فَدَعَتْ إلََى الفَناءِ وقَتْلِ الإحْساسِ بالحَياةِ - لا تُمَثِّلُ الإسلامَ ومَبادِئَهُ التِي بُعْثَ بِها رُسُولُ اللهِ صَلُواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيه، إنَّما هِي مَسْتَمَدَّةٌ مِن أُصُولِ الفَلْسَفَةِ الأَفْلاطُونِيَّةِ المُحْدَثَةِ وبَعْضِ المَذاهِبِ الفارِسِيَّةِ والهِنْدِيَّةِ.

ولَمْ يَسْلكِ الإسلامُ أَيْضًا مَسْلكَ المادِّيَّةِ الغَرْبِيَّةِ المُعاصِرَةِ التِي فَتَحَتْ لِتَلْبِيَةِ شَهَواتِ الجَسَدِ ومطالِبِهِ البابَ علَى مِصْراعَيْهِ، وأهْمَلَتْ مَطالِبَ الرُّوحِ فَجَنَتْ بِذلكَ علَى النّفْسِ البَشَرِيَّةِ أَعْظَمَ الجِناياتِ.

بَلْ الإسْلامُ رَاعَى النَّوازِعَ الفِطْرِيَّةَ البَشَرِيَّةَ أَشَدَّ المُراعاةِ، وَوَقَفَ مِنْها مَوْقِفًا وَسَطًا؛ تَنْصُرُهُ الحِكْمَةُ ويُؤَيِّدُهُ العَقْلُ، فَلا هُوَ بِالذِي كَبَتَها وأغْلَقَ البابَ دُونَها جُمْلَةً واحِدَةً فَيَجْنِيَ بِذلكَ علَى مَطَالِبِ الرُّوحِ التِي لا تَكُونُ رُوحًا إلاّ بِها، ولا هُوَ بالذِي أَطْلَقَ لَها العِنانَ فَتَنْقَلِبُ مَعْبُودًا مِن دُونِ اللهِ؛ وتُضْحِي أَسِيرَةَ الأهْواءِ والشَّهَوات.

فالإسْلامُ لَما كانَ شَرِيعَةً تَشْمَلُ مَناحِيَ الحَياةِ كُلَّها؛ العَقَدِيَّ مِنْها؛ والعِبادِيَّ؛ والعِلْمِيَّ؛ والتَّرْبَوِيَّ؛ والاجْتِماعِيَّ؛ والسِّياسِيَّ؛ والاقْتِصادِيَّ؛ وغَيرَ ذلكَ بُنِيَتْ أَحْكامُهُ كُلُّها - ومِنْها الجِهادُ - علَى رُكْنَيْنِ أَساسِيَّيْنِ:

الأَوَّلِ: مُوافَقَةِ السُّنَّةِ الكَوْنِيَّةِ؛ ورِعايَةِ الضَّروراتِ والحاجاتِ البَشَرِيَّةِ والمَطالِبِ الاجْتِماعِيَّةِ التِي لا انْفِكاكَ لَها عَن الطِّبِيعَةِ الإنْسانِية.

وَالثانِي: بِناءِ أحْكامِهِ عَلى تَحْصِيلِ ما أَمْكَنَ مِن المَصالِحِ، وَدَفْعِ ما أَمْكَنَ مِن المَفاسدِ، مُراعِيًا فِي ذلكِ الأَوْلَى فَالأَوْلَى، وتَقْدِيمَ مَصْلَحَةِ الجَماعَةِ والأُمَّةِ علَى مَصالِحِ الأفْرادِ عِنْدَ التَّعارُض.

فَكما راعَى حاجَةَ الإنْسانِ للزَّواجِ وهُو مَطْلَبٌ فِطْرِيُّ، وراعَى ما جُبِلَ عَلَيهِ مِنْ حُبِّ التَّمَلُّكِ وهُو مَطْلَبٌ فِطْرِيُّ كذلك، ورَاعَى تَطَلُّعَ الإنْسانِ إلَى الرُّقِيِّ والعِلْمِ والمَعْرِفَةِ؛ وهُوَ مَطْلَبٌ فِطْرِيٌّ كَسابِقَيْهِ، ونَحْوَ هَذا من المَطالِب، راعَى كَذلكَ ما جُبِلَتْ علَيهِ النَّفْسُ البَشَرِيَّةُ مِنْ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ التِي هِيَ وَسَطٌ بَينَ القُوَّةِ العاقِلَةِ والقُوَّةِ الشهْوِيَّةِ فَهُما يَتَنازَعانِها!، وهَذهِ القُوَّةُ هِيَ التِي تَرْجِعُ إلَيْها غَرِيزَةُ حُبِّ القِتالِ فِي الإنْسانِ، ولا سَبِيلَ إلَى افْتِراضِ عالَمٍ خالٍ عَن القِتالِ إلا بافْتِراضِ إنسانٍ خالٍ عَن القُوَّة الغَضَبِيَّةِ؛ فَهُو مِن ثَمَّ خالٍ عَن هَذه النّزْعَةِ، ومِثَالُ هَذا ما لَو قُلْنا: لا سَبِيلَ إلى افْتِراضِ مُجْتَمَعٍ يَمْتَنِعُ عن النِّكاحِ والإنْسالِ؛ إلاّ بافْتِراضِ إنْسانٍ لا يَمِيلُ إلَى الجِنْسِ الآخَرِ طَبْعًا، فَكما أنَّ هَذا خارِجٌ عنِ الجِبِلّةِ الإنْسانِيةِ والفِطْرَةِ البَشَرِيَّةِ؛ فَكَذلكَ الأَوَّلُ ولا فَرْقَ، ولِذا قالَ (كِرِيسِي مُورِيسُونَ) وهُو الرئِيسُ السابِقُ لأَكادِيمِيَّةِ العُلُومِ فِي (نيُويُوركِ) : (إنَّ نَزْعَةَ القِتالِ والصراعِ فِطْرَةٌ بَشَريَّةٌ، وَإِنَّ صُوَرَ القِتالِ هِيَ التي تَتَغَيَّر) ؛ وهَذا كلامٌ صَحِيحٌ لا غُبارَ علَيه، مُوجُودٌ فِي البَشَرِ مُنْذُ عَهْدِ ابْنَي آدَمَ، ولا نَعْلَمُ دَهْرًا مَرَّ عَلَى البَشَرِ وقَدْ خلا عَن ذلك، فَمُنْذُ فَجْرِ التارِيخِ أو مَعَ نَشْأة الشعُوبِ البِدائِيَّةِ كما يَقُولُونَ حاوَلَ الإنْسانُ أنْ يُقَلِّدَ ما للحَيَوانِ مِن أسْبابِ القوَّةِ فِي المَخالِبِ والأظْفارِ والأَسْنانِ والأَنْيابِ والقُرُونِ والجُلُودِ؛ واسْتَعْمَلَ كَثيرًا مِن الأشْياءِ التِي تُحِيطُ بِهِ فِي صِناعَةِ تِلكَ الآلاتِ، فَصَنعَ الحِرابَ والسِّهامَ والمُدَى والرِّماحَ والخَناجِرَ والسُّيُوفَ والدُّرُوعَ؛ حَتّى تَفَوَّقَ علَى الحَيَوانِ فِي ذلكَ؛ مِمّا جَعَلَ (افْرانِكْلِن) يَزْعُمُ أَنَّ الإنْسانَ حَيَوانٌ صانِعٌ للآلاتِ!، والدارِسُونَ الباحِثُونَ يَقُولُونَ: إنَّ الحَرْبَ كانَتْ وَسِيلَةً لِرَفْعِ مُسْتَوى الإنْسانِ شَجاعَةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت