وإقْدامًا وشِدَّةً وقَسْوَةً ومَهارَةً وذكاءً؛ كما دَفَعَتْهُ إلَى الاخْتِراعِ وتَطْوِيرِ الآلاتِ وفُنُونِ الحَرْبِ؛ وإن كانَ قَد اسْتَفادَ من ذلكَ فِي السّلْمِ أيضًا.
ورَأَيْنا فِي تارِيخِ الشُّعُوبِ كُلِّها - القَدِيمِ مِنْها والحَدِيثِ - الاعْتِدادَ بالقُوَّةِ والتَّنافُسَ فِي أَسْبابِها؛ وَتَمْجِيدَ البُطُولاتِ والأَبْطالِ؛ وتَسْطِيرَ المَلاحِمِ التِي تَعْتَمِدُ علَى جُزْءٍ من الحَقِيقَةِ التارِيخِيَّةِ؛ وحِفْظَها؛ ابْتِداءً مِن مَلْحَمَةِ (جَلْجَمِيش) البابُلِيَّةِ التِي نُظِمَتْ فِي بِلادِ ما بَيْنَ النَّهْرَينِ سَنَةَ (2000ق. م) ؛ والمَلْحَمَتَينِ الهِنْدِيَّتَينِ (المَهابَهارِتا) و (الرامَايانا) ؛ وتَتَحَدَّثُ الأولَى مِنْهُما عَن المَعارِكِ التِي دارَتْ بَينَ فَرْعَينِ مِن أُسْرَةِ (بَهارْتا) الحاكِمة، ومَلْحَمَةِ رُوما الَوَطَنِيَّةِ وهِيَ (الإنْيادَةُ) التِي كَتَبَها (فِيرْجِل) أشْهَرُ شُعَراءِ رُوما القَدِيمَةِ المُتَوفّى سَنَةَ (19ق. م) ؛ وتَحَدَّثَ فِيها عَن البَطَلِ الطّرْوادِيِّ (إيناس) ؛ وزَعَمَ أنَّ الآلِهِةَ عَيَّنَتْ (أغسطس) حَفِيدَ (إيناس) لإنْقاذِ رُوما وبِنائِها من جَديدِ؛ بَعْدَ الحُروبِ الأهْلِيَّةِ الرومانِيَّةِ فِي الأرْبَعِيناتِ والثلاثِيناتِ قَبْلَ المِيلادِ، وأرادَ (فيرْجل) من خِلالِ ذلكَ - كما يُقال - تَعْلِيمَ الرومانِ وجُوبَ اسْتِخْدامِ القُوَّةِ لإفادَةِ الآخَرِينَ؛ ولِنَشْرِ السلامِ فِي العالَم!.
وهَذهِ المَلْحَمَةُ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ مَلْحَمَتَي (هُومَرَ) - الشاعِرِ الأَعْمَى الذي عاشَ فِي القَرْنِ السابِعِ قَبْلَ المِيلادِ - (الإلْياذَةِ والأُودِيسَةِ) الشَّهِيرَتَينِ، وعلَى الكُتُبِ الستَّةِ لَمَلْحَمَةِ (فِيرجل) بَنَى (دانْتِي أَلْجِيرِي) الإيطالِيُّ مَلْحَمَتَهُ المَشْهُورَةَ (الكُومِيدْيا الإلّهِيَّةَ!) التِي كَتَبَها عامِ (1321) للمِيلاد.
وهُناكَ مَلاحِمٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ؛ كالمَلْحَمَةِ الإنْجِلِيزِيَّةِ (بِيوُولْف) فِي القَرْنِ الثامِن المِيلادي، والفَرَنْسِيَّةِ (أُغْنِيةِ رُولانِ) فِي القَرْنِ الثانِي عَشَرَ، والأسْبانِيَّةِ (مَلْحَمَةِ السيِّدِ) التِي تَحْكِي قِصَّةَ بَطَلٍ قَشْتالِي؛ وهِي أكْثَرُ واقِعِيَّةً مِن غَيرِها من المَلاحِمِ التِي كُتِبَتْ فِي بِلادٍ أُخْرَى فِي العُصُورِ الوُسْطِي فِي القَرْنِ نَفْسِهِ أَيْضا أو الذي يَلِيهِ، ومِن أواخِرها مَلْحَمَةُ الإنْجِلِيزِيِّ (جُون مِلْتُون) بِعُنْوانِ: (الفِرْدَوسِ المَفْقُودِ) ؛ كَتَبها سَنَة (1667) للمِيلادِ، ومَلْحَمَةِ البَرازِيلِيِّ (خُوسِيهِ داغاما) بِعُنْوانِ (أُورُوجْواي: 1769) وصَفَ فِيها الحَرْبَ بَيْنَ المُسْتَعْمِرِينَ الأَورُوبيينَ والهُنود، ثُمَّ الأَرْجَنْتِينِيُّ (خُوزِيهِ هِيرْنانْدِيزْ) ؛ الذِي كَتَبَ أَفْضَلَ ما عُرِفَ مِن أَدَبِ (الغاوْشُو) - وهُمْ: رُعاةُ بَقَرٍ رُحَّلٍ - مَلْحَمَةَ (مارْتِن فِيرو) بَيْنَ عامَي (1872 و 1879) يَتَحَدَّثُ فِيها عَنْ حُرُوبٍ دارَتْ بَينَ بَطلٍ مِن (الغاوشُو) والهُنُودِ الأمْرِيكِيِّين.
وإذا أَضَفْنا إلَى ذلكَ تَوارِيخَ الحُرُوبِ التِي جَرَتْ فِي العالَمِ مُنْذُ خُلِقَ الإنْسانُ؛ ولا تَزالُ تَجْرِي إلَى يَوْمِنا هَذا، وأضَفْنا إلَيها عِنايَةَ الناسِ بالفُرُوسِيَّةِ مُنْذُ وَعَوْا دَوْرَ الخَيْلِ فِي الحُرُوب؛ ومَنْحَ الفُرْسانِ الشعاراتِ والأَلْقابَ كَما كانَ ذلكَ عُرْفًا عِنْدَ الأُمَمِ العَرَبِيَّةِ حَتّى كانَ من الفُرْسانِ مِن يُعَلِّمُ علَى نَفْسِهِ بِعلامَةٍ، وكَذلكَ ما يُعْرَفُ بِشِعَارَاتِ النَّبالَةِ التِي استَخْدَمَها فُرْسانُ النصارى فِي أوروبا الغَرْبِيةِ فِي الحُرُوبِ الصلِيبِيةِ، إِذا أَضَفْنا هَذا وَذاكَ وكَثِيرًا مِن الشواهِدِ الأُخْرى؛ ثَبَتَ صِحَّةُ ما قالَهُ (مُورِيسُون) مِن أنَّ حَياةَ الإنْسانِ علَى وَجْهِ الأَرْضِ لا يُمْكِنُ أنْ تَخْلُوَ عَن هَذه النَّزْعَةِ الفِطْرِيَّةِ؛ نَزْعَةِ القِتال.
وزِدْ عَلَى هَذا وذاكَ قِيامُ الحَياةِ البَشَرِيَّةِ عَلى قانُونِ التَّدافُعِ والتَّنازُعِ، والظلْمُ والطُّغْيانُ والعُدْوانُ أَصْلٌ فِي الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ؛ ما لَمْ يَمْنَعْها عَنْهُ دِينٌ راسِخٌ أوْ سُلْطانٌ قَوِيٌّ، فَلا مَحَلَّ فِي هَذا العالَمِ لِمِثْلِ الفَلْسَفَةِ (الكُونْفُوشِيَّةِ) الصيِنِيَّةِ التِي تَدْعُو إلَى سِيادَةِ العَدْلِ والفَضِيلَةِ مِن خِلالِ نِظامٍ اجْتِماعِيٍّ يُقَدِّمُ القُدْوَةَ الحَسَنَةَ بِما لَها مِن قُوَّةٍ صامِتَةٍ فِي كُلِّ أُسْرَةٍ مِن الأُسَرِ، مِمّا يُؤَدّي إلَى مُحافَظَةِ الدولَةِ علَى الهُدُوءِ فِي أَرْضِها؛ والعَدالَةِ فِي جَمِيعِ أرْجائِها، ومِن ثَمَّ يَسُودُ السلامُ العالَمَ بِأجْمَعِهِ