ويَسْعَدُ جَمِيعُ مَن فِيه!، فَهَذه الفَلْسَفَةُ ما يَقُولُ (ولْ دِيورانَتْ) أيْضًا: تَدْعُو إلَى الكَمالِ المُطْلَقِ وتَنْسَى أنّ الإنْسانَ حَيَوانٌ مَفْتَرِس!.
وإذا كانَ القِتالُ وحُبُّ التَّمَلُكِ طَبِيعَةً فِي البَشَرِ لا انْفِكاكَ لَهُمْ عَنْهُا؛ فَلا بُدَّ إِذَنْ - عَلَى سَبِيلِ السَّبْرِ والتَّقْسِيمِ - مِن واحِدٍ مِن أُمُورٍ ثَلاثَةٍ:
-إمّا أنْ تُطْلَقَ أيادِي البَشَرِ ويُرْخَى العِنانُ لِيَجْرِيَ مَن شاءَ وَراءَ هَذهِ النَّزْعَةِ - أُمَّةً كانَ أو فَرْدا - كما يُمْلِيهِ الهَوى وتَفْرِضُهُ الرَّغَباتُ والشَّهَواتُ، وهَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ بِهِ عاقِلٌ مِن البَشَر، لأَنَّهُ يَقْتَضِي أنْ تَسْتَحِيلَ الأَرْضُ إلَى غَابَةٍ يَاكُلُ القَوِيُّ فِيها الضعِيفَ!، فَلا يُنْصَفُ فِيها مَظْلُومٌ؛ ولا يَنَالُ ذُو حَقٍّ حَقًّا.
-وإِمّا ما يُقابِلُ الإِطْلاقَ وهُوَ التَّقْيِيدُ، ثَمَّ هَذَا: إمّا تَقْييدٌ بالهَوَى، فَتَضعُ كُلُّ أُمَّةٍ مِن قَوانِينِ الحَرْبِ ما شاءَتْ؛ والعَدْلُ عِنْدَهُمْ ما يَراهُ أكَابِرُهُمْ؛ حَتَّى وإنْ كانَ عَينَ الظُّلْمِ فِي نَفْسِ الأمْرِ!، لأَنَّ القانُونَ الوَضْعِيَّ إنَّما يَفْرِضِهُ القَوِيُّ ولا حِيلَةَ للأُمَمِ الضَّعِيفَةِ فِيه، وأهَمُّ مِن هَذا قُصُورُ العَقْلِ البَشَرِيِّ وعَجْزُهُ عَن الاستِقْلالِ بإدْراكِ مصالِحِهِ، فَضْلًا عن مَصالِحِ غَيرِهِ، فَكَيفَ بِمصالِحِ البَشَرِ أجْمَعِين.
-وإمّا - وهُو الثالثُ - أنْ يُرَدَّ إلَى أحْكامِ شَرْعٍ سَماوِيٍّ نَزَلَ من اللهِ تعالَى ورَضِيهُ لِعبَادِهِ؛ وهُو جامِعٌ لِمصالِحِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وحَلالُهُ وحَرامُهُ إِنَّما هُو مِن عِنْدِ الخالِقِ سُبْحانَهُ الذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا، ومن ذلكَ مَصالِحُ الخَلْقِ وأسْرارِهِم، ولَيْسَ ثَمَّةَ ما يَصْلُحُ لِهَذا إلا شَرِيعَةَ الإسلامِ، لأنَّهُ خاتَمُ الأدْيانِ وخَيرُها، وهُو الدِّينُ الذي أُمِرَ بِهِ البَشَرُ أجْمَعُونَ، وكُلُّ مَن ارْتَضَى دِينًا سِواهُ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وهُو فِي الآخِرَةِ من الخاسِرِينَ، وذلكَ الحَقُّ الذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا رَيْبَ، وما مِن أَحَدٍ من عُلَماءِ المُسْلِمِينَ إلا وهُوَ يُباهِلُ ( To curse on another) عَلَى صِحَّةِ هَذَهِ الدَّعْوَى، كَما يُباهِلُونَ علَى بُطْلانِ دَعْوَى أنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ؛ أو أنَّ المَسِيحَ هُو اللهُ؛ أو أنَّهُ ابنُ اللهِ، تعالَى اللهُ عَما يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وإِذا تَقَرَّرَ أنَّ الإسْلامَ هُو الدِينُ الحَقُّ، فَإنَّ الواجِبَ علَى حَمَلَتِهِ إِبْلاغُهُ للنّاسِ، لكِنْ دَونَ حَوائِلَ تَحُولُ بَيْنَهُمْ وبَيْنَهُ، وَالحِهادُ إنّما شُرِعِ في الإسْلاَمِ - سَواءٌ كانَ دَفْعًا أو طَلَبًا - إزالَةً للعَوائقِ والحواجِزِ التي تَحُولُ بَيْنَ الناسِ وبَيْنَ بُلُوغِ دَعْوَةِ الله إليهم، أَما فِي جِهادِ الدَّفْعِ حِينَ يَتَسَلَّطُ عَلَى الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ غَيْرُها فَالأمْرُ واضِحٌ، وأمّا فِي جِهادِ الطَّلَبِ؛ فَإِنَّهُ ما مِن دَعْوَةٍ مِن الدَّعَواتِ ولا أُمَّةٍ مِن الأُمَمِ مَهْما بَلَغَتْ مِنَ الانْحِطاطِ فِي العَقائدِ والمُثُلِ والقِيمِ؛ إلاّ وهِي تَعْمَلُ عَلَى تَصْدِيرِ ذلكَ إلَى غَيْرِها مِن الأُمَمِ؛ حَتَّى ولَو كانُوا مِن الأَقْوامِ الذِينَ عَبَدُوا (البَصَلَ) عَلَى ضِفافِ نَهْرِ النِّيلِ!؛ كَما دَلَّلَ عَلَى عِبادِتِهِمْ لَهُ (تِين: Taine) حِينَ ذكَرَ أنَّ البَصَلَ أغْضَبَ (بُوسيه: Bossuet) وأحْفَظَهُ!، وكُلُّ الجماعاتِ البَشَرِيَّةِ تَكادُ تَتَّفِقُ - كِما يَقُولُ (ولْ ديورانت) عَلَى أنَّ سائِرَ الجماعاتِ أحَطُّ مِنها؛ حَتَّى إنَّ الهُنُودَ الأمْرِيكِيِّينَ لَيَعُدُّونَ أنْفُسَهُمْ شَعْبَ اللهِ المُخْتارِ!، - وأصابَ (ولْ ديورانت) إذْ لَمْ يَدَّعِ اتِّفاقَ البَشَرِ علَى ذلك؛ فَإنَّ دِينَ الإسلامِ بِحَمْدِ اللهِ لَيْسَ كَذلكَ؛ وإنّما يَتَفاضَلُ الناسُ فِيهِ بِتَقْوى اللهِ تعالَى ولا شَيْءَ سِواهَا كائنًا ما كانَ -، وإِذِ الأَمْرُ كَما قَدَّمْناهُ وبَيَّنّاهُ فَلَنْ يُخَلِّيَ عُتَاةُ البَشَرِ وطُغاتُهُمْ بَينَ الإسْلامِ والبَشَر، ولا يُمْكِنُ عَلَى هَذا إِيصالُ دَعْوَةِ الإسلامِ إلَى الخَلْقِ إلاَّ بِخُضوعِ الناسِ كافَّةً لِسُلطانِ الإسلام؛ لا بِإِكْراهِهِمْ علَيهِ، وَثَمَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ إجْبارِ الناسِ عَلى اعْتِناقِ الإسْلامِ وإكْراهِهِمْ علَيْهِ؛