الصفحة 26 من 85

وهُوَ الذي لَمْ يقعْ في التاريخِ الإسلامِيِّ البَتَّةَ!؛ وبَينَ خُضُوعِهم لسُلْطانِه، وهَذا أمَرٌ واضِحٌ بَيِّنٌ؛ لَهُ فِي الواقِعِ كَثِيرٌ من الأمْثِلَة، وإنما أَقْبلَ الناسُ على دِينِ الإسلامِ أفْواجًا لِما حَمَلَهُ مِنْ المُثُلٍ والمَبادِئِ والقِيَمِ الأخْلاقِيَّةِ التي أَضَلَّتْها الأُمَمُ الأخْرى؛ مِن النّصارَى واليَهُودِ وغَيْرِهم، حَتَّى وجَبَ عِندَ تِلكَ الأمَمِ أنْ تَقْتَرِنَ المَدَنِيَّةُ بالرذيلَةِ!!؛ كًمَا قالتْ الأميرةُ العُمانِيَّةُ المُتَنَصِّرَةُ (سالِمَةُ بِنْتُ السلطانِ سَعِيدٍ؛ سلطانِ عُمَانَ وزَنْجِبارَ فِي النِّصْفِ الأَولِ من القَرْنِ التاسِعِ عَشر؛ والتِي تَسمَّتْ بَعْدَ تَنَصُّرِها باسمِ(إِيمِيلَى رُوثْ) !، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ القِيَمَ والمُثُلَ مَهْما عَلَتْ - ونَعنِي هُنا الإسلامَ ولاَ شَيْءَ سِواهُ - لَنْ تَحُلَّ مَحَلَّ القُدْوةِ اللائِقَ بِها مالمْ تَكُنْ مَرْهُوبَةَ الجانِبِ مَصُونَةَ الحِمَى!؛ للّذِي قَدَّمْناهُ أوَّلا، وَلأّنَّ تَقْليدَ الأُمَّةِ الضعِيفَةِ للأمَّةِ الغالِبِةِ سُنَّةٌ اجْتِماعِيَّةٌ كما قال ابْنُ خَلْدُونٍ وتَقَرَّرَ في عِلْمِ الاجِْتِمَاع، وما فِي الأمَّةِ القَوِيَّةِ مِنَ المَحاسِنِ والمَساوِئِ يَسري إلى جَسَدِ الأخْرَى ولا بدّ، وبِهذا التقريرِ تَعْلَمُ أنَّ (الجِهادَ) الذي شَرَعَهُ الإسلامُ لَيْسَ فَرْضًا شَرْعِيًّا فَحَسْبُ؛ بَلْ هُوَ ضُرورَةٌ حَياتِيَّةٌ جارِيِةٌ وَفْقَ سُنَّةٍ رَبانِيَّةٍ لا تتَغَيَّرُ ولا تَتَبَدَّل.

وهَذا مَعْنَى ما وَرَدَ فِي الحَدِيثِ أنَّ النَبِيَّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ بُعِثَ بالسَّيْفِ بَينَ يدِيِ الساعَةِ: أنْ يَخْضَعَ الناسُ لِسُلْطانِ الإسْلامِ وأَحْكامِهِ، لا أنَّ السِّيْفَ لإكْراهِ الناسِ علَى اعْتِناقِ دِينِ الإسْلامِ، ومِمَّنْ فَطِنَ لِهَذِهِ الحَقِيقَةِ جَماعَةٌ مِن علَماءِ الغَرْبِ؛ مِن أمْثالِ (غوسْتافْ لوبون) ؛ و (تُومَاسْ كَارْلِيل) وهُو كاتِبٌ غَرْبِيٌّ مَشْهُورٌ - يَقُولُ فِي كِتَابِهِ (الأَبْطالُِ وَعِبَادَةُِ البُطُولَةَ) : إِنّ اتّهَامَهُ - يَعْنِي النَّبِيَّ مُحَمَّدًا صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيه - بِالتّعْوِيلِ عَلَى السَّيْفِ فِي حَمْلِ النَّاسِ عَلَى الاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَتِهِ سُخْفٌ غَيْرُ مَفْهُومٍ!؛ إِذْ لَيْسَ مِمّا يَجُوزُ فِي الفَهْمِ أَنْ يُشْهِرَ رَجُلٌ فَرْدٌ سَيْفَهُ لِيَقْتُلَ بِهِ الناسَ؛ أَوْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ، فَإِذَا آمَنَ بِهِ مَنْ يَقْدِرُونَ عَلَى حَرْبِ خُصُومِهِمْ؛ فَقَدْ آمَنُوا بِهِ طَائِعِينَ مُصَدِّقِينَ، وَتَعَرَّضُوا للحَرْبِ مِنْ غَيْرِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرُوا عَلَيْهَا. انتهى.

ومِن الأدِلَّةِ علَى ما أَشَرْنا إلَيْهِ مِنْ أنَّ الناسَ اعْتَنَقَتِ الإسلامِ لِقِيَمِهِ العُلْيا ومُثُلِهِ السامِيَةِ أَمْران:

الأَوَّلُ: المُقارَنَةُ بَينَ البِلادِ التِي فَتَحَها الإسْلامُ فِي صَدْرِ دَعْوِتِهِ؛ ومِنها الرومُ وفارِسُ؛ وبَيْنَ البِلادِ الإسلامِيَّةِ التِي هاجَمَتْها الحَمَلاتُ الصِّلِيبِيَّةُ فِي مَراحِلِها المُخْتَلِفَةِ؛ إلَى العَهْدِ القَرِيبِ الذي عُرِفَ بِعَهْدِ (الاسْتِعْمار) ، فَإنّنا رَأَيْنا الأُولَى (الرومَ وفارِس) قَدْ دَخَلَ مِنْهُمْ فِي دِينِ الإسلامِ أُمَمٌ لا تُعَدُّ ولا تَحْصَى، ولا يَزَالُونَ يَعْتَنِقُونَهُ إلَى اليَومِ علَى ما مَرَّ بِهِمْ من فَتَراتِ انْحِسارٍ وضَعْفٍ عَبْرَ التاريخ، ولَمْ نَرَ شَيْئًا من هَذا وقَعَ للبِلادِ التِي غَزاها الصلِيبِيُّونَ والمُسْتَعْمِرونَ؛ فَلا نَعْلَمُ أنَّ بِلْدَةً مِن بِلادِ الإسلامِ دَخَلَتْ فِي دِينِ الغَزاةِ المُسْتَعْمَرين، بلْ وقعَ فِي التاريخِ عَكْسُ ذلكَ!؛ فَدَخَلَ المُسْتَعْمِرُ فِي دِينِ أَهْلِ البلادِ (الإسْلامِ) ؛ كما وَقعَ لأُمَمٍ من التتار!.

والثانِي: المُقارَنَةُ بَينَ أَثَرِ الإسْلامِ علَى البِلادِ التِي فَتَحَها؛ ومِنْها الأنْدَلُس (أسْبانيا ونَواحِيها) ؛ وما انْتَقَلَ إلَى تِلكَ الأُمَمِ بِسَببِهِ مِن العِلْمِ والثَّقافَةِ وخُرُوجِ الأُمَمِ الأَورُوبِيَّةِ مِن عُصُورِها الوُسْطَى؛ عُصُورِ الظَلامِ، بَلْ إنَّ بَعْضَ المُصَنِّفِينَ الأورُوبِيِّينَ أسِفَ لِهَزِيمَةِ المُسْلِمِينَ فِي مَعْرَكَةِ بلاَطِ الشهُداءِ لأَنَّها كانَتْ سَبَبًا فِي تَأَخُّرِ العِلْمِ والثَّقافَةِ عَن أوروبًا وبَقائها فِي ظُلُماتِ الجَهالَةِ ثَمانِيَةَ قُرُونٍ أخْرى!، فَقارِنْ بَينَ هَذا وبَينَ أَثَرِ (المُسْتَعْمِرِ) علَى البِلادِ الإسلامِيَّةِ فِي العًصْرِ الحَدِيثِ وما خَلَّفَهُ فِيها مِن جَهْلٍ وفُرْقَةٍ وفَقْرٍ ومَرَضٍ؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت