الصفحة 27 من 85

إِنَّ الجِهادَ فِي دِينِ الإسْلامِ؛ لَيْسَ حُبًّا للقَتْلِ وَسَفْكِ الدِّماءِ كَما يُرَوَّجُ لَهُ، بَلْ هُوَ سُلْطَةٌ شَرْعِيَّةٌ تَنْفِيذِيَّةٌ؛ تَحْكُمُها قَوانِينٌ صارِمَةٌ وحُدُودٌ قاطِعَةٌ لا هَوادَةَ فِيها؛ ولا يَحِلُّ للمُسْلِمِ الخُرُوجُ عَن قانُونِها بِحالٍ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ المِشْرَطِ فِي يَدِ الطَّبِيبِ - لا يَسَعُهُ أنْ يَتَجاوَزَ بِهِ حَدَّ الضَّرُورَةِ - لإِزالَةِ كُلِّ وَرَمٍ يُعَرِّضُ الجَسَدَ للهَلاكِ.

وفِي أَحْكامِ الجِهادِ فِي الإسْلامِ مِن رِعَايَةِ المَصالِحِ العامَّةِ والخاصَّةِ ما لا مَثِيلَ لَهُ، ولَيْسَ ما يَقَعُ مِن الخَطأِ فِيها مِن بَعْضِ جَهَلَةِ المُسْلِمِينَ حُجَّةً للطاعِنِ فِي ذَلك، فَمِمّا وَرَدَ بِهِ الشرْعُ مِن ذلكَ:

الإحْسانُ إلَى الأسْرَى بالكِساءِ والطَّعامِ؛ والنَّهْيُ عَن التَّعَرُّضِ لَهُمْ بالعَذابِ والأَذَى.

وتَخْيِيرُ الإمامِ فِي الأَسْرَى بَينَ الفَداءِ والمَنِّ علَيْهِمْ بِدُونِ مُقابِل، أوْ القَتْلِ، هُو تَخْيِيرٌ بِحَسَبِ مَصْلَحَةِ الشرْعِ والدِينِ، ولَيْسَ للإمامِ أنْ يَفْعَلَ من ذلكَ تَشَهِّيًا ما شاءَ، وإِنَّما يُقْتَلُ مِن الأَسْرَى مَنْ تَعاظَمُ علَى الإسْلامِ خَطَرُهُ وعُلِمَ أنَّ ضَرَرَهُ لا يَنْدِفِعُ إلاّ بِذلك.

ومِنْهُ النَّهْيُ عَن قَتْلِ النِّساءِ والصبْيانِ فِي الحَرْبِ إلا من باشَرَ القِتالَ مِنْهم.

كَما نَهَى عَن التّعَرُّضِ للشُّيوخِ والزَّمْنَى والرُّهْبانِ والمَنْقَطِعِينَ عَن الناسِ، وكَلِّ مَن لا شَأنَ لَهُ بالقِتالِ والحَرْب.

وأَمَرَ بالكَفِّ عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِكَلَمَةِ التَّوْحِيدِ من الكُفّارِ؛ وحَرَّمَ التَّعَرُّضَ لَهُ؛ ولَو فَعَلَ قَبْلَ ذلكَ بالمُسْلِمِينَ ما فَعَل.

وإِذا أَسْلَمَ قَوْمٌ فِي دارِ الحَرْبِ ولَهُمْ مالٌ وأرَضُونَ فَهِيَ لَهُمْ

ونَهَى عَن الغَدْرِ أَشدَّ النَّهْيِ وأَوجَبَ الأمانَ لَمَنْ طَلَبَهُ ولَوْ بإِشارَةٍ فُهِمَ مِنْها طَلَبُ الأمانِ؛ حَتَّى وإنْ لَمْ يَقْصِدْها صاحِبُها!. كما أَمَرَ بإجارَةِ المُسْتَجِيرِ وإبْلاغِهِ مامَنَهُ إنْ سألَ ذلك.

ونَهَى عَن المُثْلَةِ وأمَرَ بإحْسانِ القَتْلِ إنْ دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ، وقَدْ قالَ اللهُ تعالَى فِي كِتابِهِ الكَرِيمِ: {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} ؛ فَقَابَلَ: {يُقْتَلْ} بِقَوْلِهِ: {يَغْلِبْ} إشارَةً إلَى أنَّ المُسْلِمَ لا يَقْصِدُ بالقِتالِ والقَتْلِ نَفْسَ القَتْلِ، وإنَّما غَايَتُهُ أنْ يَغْلِبَ دِينُ اللهِ ويَنْتَصِرَ، فَلا حَظَّ لِنَفْسِهِ ولا لِهَواهُ فِي ذلكَ، وإنَّما هَواهُ تَبَعٌ لَما جاءَ بِهِ الشَّرْعُ وَحْدَه.

وحَرَّمَ الغُلُولَ مِن الغَنِيمَةِ؛ وَالقِتالَ طَلَبًا للدُّنْيا وعُلُوِّ الذكْرِ بِيْنَ الناسِ ورَغْبَةً فِي المَغْنَمِ واتِّباعًا للهَوى، ولَمْ يَجْعَلْ مَنْزِلَةَ الشهادَةِ إلا لِمَنْ قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ تَعالَى هِي العَلْيا.

وأمَرَ بِقُبُولِ الجِزْيَةِ من أَهْلِ الذِّمَّةِ إنْ بَذَلُوها، وأنْ يُوفَّى لَهُمْ بَعَهْدِهِم؛ وأنْ يُقاتَلَ مِن وَرائِهِمْ؛ ولا يُكَلَّفُوا إلاّ طاقَتَهُمْ.

والكلامُ فِي هَذا يَطُولُ؛ وإنّما اكْتَفَيْنا بالإشارَةِ إلَى جَمْلَةٍ تُرْشِدُ طالِبَ الحَقِّ إلى ما سِواهاَ، واللهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلَى صِراطٍ مُسْتَقِيم.

ولا يُنْكَرُ أنَّ المُجْتَمَعَ الإنْسانِيَّ يُؤَثِّرُ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ، وما يَسْرِي مِن الفَسادِ فِي أُمَّةٍ يَؤَثِّرُ فِي غَيْرِها؛ بِحَسْبِ كَثْرَةِ الاخْتِلاطِ بَينَ الأُمَّتَينِ وقِلَّتِهِ، كَما نُشاهِدُ ذلكَ فِي أيامَنا هَذِهِ التِي تَقارَبَ فِيها الزّمانُ والمَكانُ حَتَّى أَصْبَحَ العالَمُ بمَنْزِلَةِ القَرْيَةِ الواحِدَة، وعَلَى هَذا يَعْتَمِدُ ما يُسَمَّى بِمَبْدَأِ (العَولَمَةِ) أصْلًا، وحَيْثُ أنَّ الأُمَّةَ المُسْلِمَةَ - وهِي التِي يَجْمَعَهُا الإسلامُ؛ لا اللّوْنُ؛ ولا اللغَةُ؛ ولا الجِنْسُ - تَنْزِلُ مِن المُجْتَمِعِ الإنْسانِيِّ مَنْزِلَةَ القَلْبِ مِنْهُ؛ فَهُوَ مِن بَقِيَّةِ الأعْضاءِ بِمَنْزِلَةِ المَلِكِ والسلْطانِ مِن الجُنْدِ؛ حَيْثُ كانَتْ تِلكَ مَنْزِلَتُها تَعَيَّنَ عَلَيها أنْ تَحْتَفِظَ بِأسْبابِ القُوَّةِ ونَبْضِ الحَياةِ؛ وأنْ تَرْعَى الجَسدَ حَقَّ الرِّعايَةِ؛ وأنْ تَعْمَلَ جاهِدَةً علَى إيْصالِ نَبْضِ الحَياةِ إلَيهِ، لأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَقَعْ لهُ ذلكَ تَعَرَّضَ للمَوْتِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت