الصفحة 28 من 85

والتَّلَفِ؛ ويَتَعَيَّنُ حِينَ ذلكَ أنْ يَتَناوَلَهُ الجَرَّاحُ بالمشْرِطِ وإلاّ سَرَى المَوتُ إلَى بَقِيَّةِ الجَسدِ، وذلكَ هُوَ الجِهادُ فِي الإِسلامِ.

والنَبِيُّ صَلَى اللهُ عَلَيهِ وسلّمُ - وهُو الذِي جاءَ بِدَعْوَةِ الإسلامِ؛ وقاتَلَ لأجْلِهِ خُصُومَ الدَّعْوَةِ الذِينَ وَقَفُوا لَها بالمِرْصادِ - غَزا بِنَفْسِهِ فِي سَبْعٍ وعِشرِينَ غَزْوَةً؛ وأَرْسَلَ اثْنَتَينِ وثمانِينَ سَرِيَّةً، ولَمْ يُقْتَلْ مِن خُصُومِ دَعْوَةِ الإسْلامِ فِي جَمِيعِ هَذا سِوَى عَدَدٍ لا يَتَجاوَزُ الألْفَ، لكِنَّها - وشرَفُ الحَرْبِ تُعْرَفُ بِثمارِها - كانَتْ سَببًا لِنَشْرِ العَدْلِ والخَيْرِ وانْتِشارِ نُورِ الهِدايَةِ فِي العالَمِين، ولمَا انْتَصَرَ عَلَى كُفارِ مَكَةَ الذِينَ آذَوْهُ وأَخْرَجُوهُ لَمْ يَكُنْ جَوَابَهُ علَى صَنِيعِهِمْ بِهِ إِلاَّ أنْ عَفا وصَفَحَ؛ وبِهِ اقْتَدَى فِي ذلكَ خُلَفاؤُهُ والفاتِحُونَ مِن بَعْدِهِ، فَأَينَ هَذا مِمّنْ حَصَدُوا ما لا يُحْصَى مِن الأُمَمِ والبَشَرِ، مِن أَمْثالِ (هِتْلَرْ) ؛ و (مُوسِيلِيني) ؛ و (اسْتَالِينَ) ؛ و (لِينِينَ) ؛ وعَيْرِهِم مِمّنْ لا يَزالُونَ يَخْرُجُونَ إلَى يَوْمِنا هَذا، ومِنْ أَيِّ الأُمَمِ خَرَجَ هَؤلاء؟!.

قَرَأَنَا فِي أَخْبارِ العالَمِ الغَرْبِيِّ - اليَومَ - عَن انْتِشارِ الجَرِيمَةِ انْتِشارًا لا يَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ؛ واعْتَرَفَتْ الدّوائِرُ الرَّسْمِيةُ بالعَجْزِ عنْ إِحْصاءِ الأرْقامِ الحَقِيقِيَّةِ هُناكَ، فَفِي تَقْرِيرٍ لِمُؤَسّساتٍ رَسْمِيَّةٍ فِي الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأمْرِيكِيَّةِ عامَ (2003) بَلَغَ مَجْمُوعُ تِسْعَةِ أنَواعٍ مِن الجَرائمِ التِي وقَعَتْ فِي ذلكَ العامِ؛ ومِن بَيْنِها جَرائمُ القَتْلِ والعُنْفِ والاغْتِصابِ والسَّرِقاتِ (23653076) جَرِيمَةً!؛ هَكَذا؛ ثَلاثَةً وعِشرِينَ مِلْيُونًا و ... ؛ ولا تَظُنَّ أَنَّهُ خَطَأٌ فِي الرَّقَمِ!، وذُكِرَ فِي التقْرِيرِ أنَّ عَدَدَ السكانِ فِي ذلكَ العامِ بَلغَ إلَى (290788976) ؛ ومَعْنَى هَذا أنّ هُناكَ جَرِيمَةً تَقَعُ بَينِ كُلِّ اثْنَي عَشَرَ شَخْصًا مِن مُجْمُوعِ السَّكانِ!، هَذا مَعَ اعْتِرافِ تِلكَ الدَّوائِرِ أنَّ العَدَدَ الحَقِيقِيَّ لجِرائمِ الاغْتِصابِ - التِي بَلَغَتْ تِسْعِينَ ألْفًا كما فِي التَّقْرِيرِ - يَفُوقُ العَدَدَ المَذكُورَ بِخَمْسَةٍ وثَلاثِينَ ضِعْفًا!، وهَكَذا شَأنُ الجَرائِمِ الأُخْرى!.

ولَمْ يُذْكَرْ فِي هَذا التَّقْرِيرِ حَوادِثُ الانْتِحارِ التِي بَلَغَتْ فِي تَقْرِيرِ عامِ (2006) فِي المُعَدَّلِ المُتَوَسِّطِ لَها فِي أمْرِيكا بَينَ مُخْتَلَفِ الفِئاتِ العُمْرِيةِ أكْثَرَ من عَشْرِ حالاتٍ لكُلِّ مائةِ ألَفٍ من مَجْمَوعِ السكانِ، ومِن البِلادِ التِي تُعانِي مِن أكْبَرِ مُعَدَّلِ انْتِحارٍ فِي العالَمِ، أُسْتُراليا وبلْجِيكا والدانِماركُ وفِنْلَنْدا والمَجَرُ وسويسْرا، وقَدْ أَثْبَتَ عَالِمُ الاجْتِماعِ الفَرَنْسِيُّ المَشْهُورُ (إيمِيلْ دُورْكايْم) الذِي ماتَ سَنَةَ (1917) بِدِراسَتَهِ لآلافِ حالاتِ الانْتِحارِ تَاثِيرَ المُجْتَمَعِ الذِي يَعْيشُ فِيهِ المُنْتَحِرُ عَلَيْهِ تَأثِيرًا يَدْفَعُهُ لارْتِكابِ ذلكَ؛ وأثْبَتَ هَذا فِي كَتابٍ نَشَرَهُ عامَ (1897) .

وَزِدْ علَى هَذا الإباحِيَّةَ الخُلُقِيَّةَ؛ التِي جاوزَتْ فِي تِلْكَ المُجْتَمعاتِ حَدَّ الإنْسانِيَّةِ بلِ البَهِيمِيَّةِ - دَعْ عَنْكَ الدِّينَ والخُلُقَ فَقَدْ وُئِدَا هُناكَ مَنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ -؛ وما أَنْتَجَتْهُ مِن الأَمْراضِ النَّفْسِيَّةِ والجَسَدِيَّةِ التِي يَضِيقُ عَن حِكايَةِ شَيءٍ مِنها مَقالُنا هَذا!.

ألَيْسَ شَانُ المُجْتَمَعاتِ التِي تَبْلَغُ هَذا الحَدَّ مِن مُمَارَسَةِ الجَرِيمَةِ هُو شَأنَ مَن يُقْدِمُ علَى الانْتِحارِ، أو يَفْعَلُ ما يُودِي بِحَياتِهِ وحَياةِ الآخَرِينَ ويُلْحِقُ الضّرَرَ بالمَجْمُوعِ؟.

ألَيْسَ الأَخْذُ علَى يَدِ مَن يَصْنَعُ ذلكَ؛ ومَنْعُهُ مِنْهُ بِما يُحْتاجُ إلَيهِ مِن القُوَّةِ؛ أَلَيْسَ ذلكَ من الرَّحْمَةِ بِهِ وبِمَنْ سَيْجِنِي عَلَيْهِمْ بِجَرائِمِهِ من البَشَر؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت