الصفحة 29 من 85

الجَهادُ فِي سَبِيلِ اللهِ هُوَ هَذا، إنْقاذٌ لِحَياةِ الأُمَمِ مِن الضَّياعِ؛ وصِياغَةٌ للإنْسانِ مِن جَديدٍ، ولِذا وجَبَ فِي الإسلامِ تَقْدِيمُهُ علَى مَحَبَّةِ كُلِّ شَيءٍ مِن الأَهْلِ والوَلَدِ والمالِ تَقْدِيمًا للمَصْلَحَةِ العامَّةِ علَى المَصالِحِ الخاصَّةِ، ولِيَقْرَا مَن يَنْشُدُ الحَقَّ والإنْصافَ ما كانَ عَلَيهِ حالُ الأُمَمِ قَبْلِ الإسلامِ؛ فِي إمْبراطُورِيَّةِ بِيزَنْطَةَ وما بَلَغَتْهُ من الجَورِ والظُّلْم، وكَيفَ عَشقَ الرُّومانُ المُجُونَ والتَّرَفَ؛ والتَّمَتُّعَ بالمُصارَعاتِ الدَّمَويَّةِ فِي المَيادِينِ الرِّياضِيَّةِ بَينَ الرجالِ والرجالِ؛ أو الرجالِ والسباعِ!، وما كانَ عَلَيهِ حالُ أُمَمِ الفُرْسِ مِن الإباحِيَّةِ الفاجِرَةِ؛ حَتَّى كانَ مَن شاءَ أنْ يَسْتَوْلِيَ علَى نِساءِ غَيرِهِ فعلَ؛ وكَثُرُ خَوْضُهُمْ للِحُرُوبِ المُهْلِكَةِ خِدْمَةً لأَهْواءِ السلاطِينِ والمُلُوك، وهَكذا الحالُ مَعَ أُمَمِ الهِنْدِ وغَيرِها، فَأَيْنَ كانَ حالُ هَذَهِ الأُمَمِ قَبْلَ الإسْلامِ؛ وأيْنَ صارَتْ بَعْدَهُ؟!.

وهَكَذَا الشَانُ مَعَ هَذهِ الأُمَمِ الغَرْبِيَّةِ التِي نَرَاها!، لَوْ أنّ الإسْلامَ حَكَمَها وأَخْضَعَها لِهَيْبَتِهِ وسُلْطانِهِ - كَما يُخْضِعُ رِجالُ الحُكْمِ وحُرُّاسُ الدَّوْلَةِ الخارِجَ عَن القانُونِ للْقانُونِ - لَكانَ ذلكَ رَحْمَةً بِها؛ وكَفًّا لَها عَما تَقُومُ بِهِ مِن إهْلاكِ نَفْسِها وغَيْرِها مِن الأُمَمِ، وَإِذا كانَ الدكْتُور (ابِرانْدُونْ سَنْتَرْوال) - وهُو مُخْتَصٌّ بِدِراسَةِ عِلْمِ الأَوْبِئَةِ ( Epidemiology) - قَدْ أجْرَى دِراسَةً دامَتْ ثلاثِينَ عامًا!؛ وَتَوصَّلَ مِن خِلالِها إلَى أَنَّ جِهازَ (التِّلْفاز) مِن أكْبَرِ أسبابِ ارْتِفاعِ مُعَدَّلِ الجَرِيمَةِ، وذكَرَ أنّهُ لَو لَمْ يُخْتَرَعِ (التلفاز) ! لانْخَفَضَتْ جَرائمُ القَتْلِ فِي أَمْرِيكا بِنِسْبَةِ عَشَرَةِ آلافِ جَرِيمَةِ قَتْلٍ سَنَويا، وسبعِينَ أَلْف جَريمَةِ اغتِصابٍ، وسَبْعِمائةِ ألفِ جِرِيمَةِ عُنْف!، فَكَيْفَ لَوْ كانَ الإسْلامُ هُوَ الحاكِمَ المُهَيْمِنَ علَى تِلْكَ الأُمَمِ، وهُو الدِينُ الذِي جَاءَتْ أحْكامُهُ رادِعَةً زاجِرَةً؛ تَكُفُّ أَيْدِي العابِثِينَ بالدِّينِ والدِّماءِ والأَعْراضِ والأمْوالِ والعُقُولِ؟!، فَكَمْ عَساهُ يُنْقِذُ مِن تِلكَ الأَمَمِ التِي لَمْ تَكْتَفِ بِصِناعَةِ الجَرِيمَةِ فِيما تَصْنَعُ، بَلْ قامَتْ علَى تَصْدِيرِها إلَى غَيْرِها من الأُمَم!.

والغَرْبُ يَكْثِرُ الحَدِيثَ عَن خَطَرِ الإسْلامِ علَى الحَضارَةِ الغَرْبِيَّةِ!، وهَذا قَدْ بَلَغَ مِن المُخادَعَةِ والكَذِب والتَّزْوِيرِ مَبْلغًا يَحِلُّ لكَ مَعَهُ أنْ تَنْتَقَيَ لَهُ مِن عِباراتِ الوَصْفِ ما شِئْتَ، لأَنَّهُمْ إنْ أَرادُوا التَّقَدُّمَ العِلْمِيَّ والصِّناعِيَّ فِفِي القُرْآنِ أَكْثَرُ مِن أَلْفِ آيَةٍ تُرْشِدُ إلَى هَذا!، والتارِيخُ الإسْلامِي يَشْهَدُ للمُسْلِمِينَ بِطُولِ الباعِ فِيهِ؛ بَلْ بِفَضْلِهِمْ علَى الأُورُوبّيّينَ فِي ذلك، وإنْ أَرادُوا الحُرُّيَّةَ التِي يَزْعُمُونَ والتِي أَشَرْنا إلَى بَعْضِ آثارِها، فَلَيْأخُذُوا بِكَلِمَةِ (الحُرِّيَّةِ) علَى إطْلاقِها، ولِيُخَلُّوا بَينَ الناسِ إِذَنْ وما أَرادُوا؛ كُلٌّ كَما يَشْتِهِي ويُرِيد، ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلَى القانُونِ ولا إلَى الشُّرَطِ ولا إلَى الحُكُومَةِ وَلاَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ مُؤَسّسَاتِها، فَإنْ قَالُوا: لا يَصْلُحُ أمْرُ الدَّوْلَةِ والناسِ إلا بِقانُونٍ وقائِمٍ علَيهِ، قِيلَ لَهُمْ: قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ بَعْضِ ما أَثْمَرَتْ قَوانِينُكُمْ وحُرِّياتِكُمْ!، أَفَحَضارَةٌ هَذهِ التِي يُعاشِرُ الرجُلُّ فِيها ابْنَتِهُ؛ والأخُ أُخْتَهُ؛ والابنُ أُمَّهُ؛ وأَقْوامُهُمْ بِذلكَ يُنادُونَ، وبِهِ علَى رُؤوسِ المَلأِ يَفْتَخِرُونَ؟!.

أَفَحَضارَةٌ هَذهِ التِي يَنْتَشِرُ فِيها الشُّذُوذُ والضّياعُ، حَتّى غَدَتْ نِساؤُهُمْ تُعاشِرُ الكِلابَ والبَهائِمَ! بَعْدَ أنْ خَلَّوْهُنَّ دَهْرًا طَويلًا بِلا حَسِيبٍ ولا رَقِيبٍ؟!.

وإذا كانَتْ (الحُرِّيَّةُ) هَذِهِ سَبَبًا لسِعادَةِ المَرْءِ كما يَزْعُمُونَ؛ فِلَمَ بَلغَتْ حالاتُ الانْتِحارِ والأمْراضُ النفْسِيَّةُ مَبْلَغًا يُهَدِّدُ المُجْتَمَعَ بالزوالِ والفَناء؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت