وفِي قَولِ اللهِ تعالَى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} دَلِيلٌ لِما ذَكَرْناهُ؛ وفِي اللبابِ لابنِ عادلٍ أنَّ المرادَ بالتفْصيلِ البيانُ والشرح، وسَبِيلُ المُجْرِمِينَ هِي طَرِيقَتُهُمْ وسِيرَتُهُمْ فِي مخالَفَةِ الحَقِّ ومَعادَاةِ أهْلِهِ والترَبُّصِ بِهِمْ والكَيدِ لَهُمْ؛ مَعَ ما هُمْ عَلَيهِ من الظلمِ والحَسدِ والكِبرِ واحْتقارِ الخَلْقِ والعِنادِ والتصلُّبِ فِي الكُفْرِ، وبالتفْصِيلِ يكُونُ إيضاحُ الخَفِيِّ من أحْوالِهِم، ولأنَّهُ يترَتَّبُ علَيهِ - كما قالَ الزمَخْشريُّ - أنْ يُعامَلَ كُلٌّ بما يَجِبُ أنْ يُعامَلَ بهِ.
وتَأَمَّل!؛ كَيفَ خَصَّ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ بِالذكْرِ دُونَ أنْ يَذكُرَ هُنا سَبِيلَ المُؤمِنينَ؛ معَ أنّهما سَبيلانِ لا ثالِثَ لَهُما؛ لأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ علَى جَلْبِ المَصالِحِ، وحَصُولُ هَذا يُؤدِّي إلَى حَصُولِ الثانِي دُونَ عائقٍ يَمْنَعُ مِنه.
والغَفْلَةُ عَن الواجِبِ من هَذا هُو الذِي يَفْتَحُ الأَبْوابَ لاسْتِدْراجِ كَثِيرِينَ مِن الجَماعاتِ (الإسْلامِيَّةِ) والدُّعاةِ إلَى مَواطِنَ تَضِيعُ فِيها الجُهُودُ وَثِمارُها، وإلَى مَواقِفَ تَخْدِمُ فِي الظاهِرِ دَعْوَةَ الإسْلامِ؛ لَكِنَّها عِنْدَ التَّمْحِيصِ تَؤولُ مَنْفَعَتُها الكُبْرَى إلَى عَدُوِّ الإسْلامِ!، والسبب هُو الجهلُ الذي ذكَرْناه.
وهَذهِ القِسْمَةُ التِي مَيّزْنا بِها بَينَ عامَّةِ المُسْلِمينَ وخاصَّتِهمْ قِسْمَةٌ عَدْلٌ إنْ شاءَ اللهِ، لا حاجَةَ مَعَها إلَى كَثِيرٍ من حَواشِي الكَلامِ التِي تاخُذُ بالناسِ بَعِيدًا عَن جادَّةِ الطَّرِيقِ، فَلا إغْلاقُ البابِ دُونَ التَّبَصُّرِ بالمكايِدِ والوعْيِ بِمَخاطِرِ التآمُرِ علَى الإسْلامِ وأهْلِهِ بِذرِيعَةِ الانْشِغالِ بِتَصْحِيحِ عَقائدِ الناسِ، ولا فَتْحُ البابِ علَى مِصْراعَيْهِ حَتَّى يَصِيرَ الحَدِيثُ عن كَيْدِ العَدُوِّ ومَكْرِهِ هاجِسَ الليلِ والنَّهارِ؛ وعَمَلَ الصغِيرِ والكَبير!؛ معَ إغْفالِ الترْبِيَةِ العَقائِدِيَّةِ التِي يَعُودُ صَلاحُها علَى الأمُّةِ بأعْظَمِ النفْعِ فِي دِينِها ودُنْياها.
علَى أَنَّكَ لَو أمْعَنْتَ النظَرَ لَوَجَدْتَ بَينَ العَقِيدَةِ الإسْلامِيَّةِ وبَيْنَ البَصِيرَةِ بِكَيْدِ العَدُوِّ رِباطًا وَثِيقًا، لا لأَنَّ عَقِيدَةَ الإسْلامِ بِأُصُولِها المُحْكَمَةِ كِفِيلَةٌ بِحِمايَةِ المُسْلِمِ من شَرِّ كُلِّ دَخِيلٍ مَتَى دانَ المُسلمُ بِها خالِصَةً مِن شَوائِبِ الابْتِداعِ والإحْداثِ فِي الدِّينِ فَحَسْبُ، بَلْ لأَنَّ بَذْلَ الجُهْدِ فِي مُواجَهَةِ ما يُحِيطُ بالأُمَّةِ من الأَخْطارِ؛ والأخْذَ بِزِمامِ المُبادَأَةِ والمُبادَرَةِ فِي إرْغامِ عَدُوِّ الدينِ وإخْضاعِهِ؛ وتَفْرِيقِ شَمْلِهِ وقَهْرِ إرادَتِهِ؛ كُلُّ ذلكَ راجِعٌ إلَى عَقِيدَةِ الولاءِ بَينَ المُسلمِ والمُسْلِم، لأَنَّهُ حِمايَةٌ للصَّفِّ الإسْلامِيِّ مِن المُتَرَبِّصِينَ بِهِ؛ وَوُقُوفٌ عَلَى ثَغْرٍ عَظِيمٍ من الثَّغُورِ التِي قَدْ يَنْفُذُ العَدُوُّ مِنْها، والوَلاءُ بَينَ المُؤْمِنِينَ أَساسٌ مَتِينٌ فِي المُحافَظَةِ عَلَى الوِحْدَةِ الجامِعَةِ للأمَّةِ؛ وذلكَ لا يَتِمُّ إِلاَّ بالبَراءَةِ مِن كُلِّ مَنْ يَبْتَغِي غَيْرَ دِينِ الإسْلامِ دِينًا؛ وردُّ عُدْوانِ الكافِرِينَ عن الأُمَّةِ بالكَشْفِ عَن مُؤامَراتِ العَدُوِّ وتَعْرِيتِها فَرْضٌ عَمَلِيٌّ يَرْجِعُ إلَى البراءَةِ مِمَّنْ يُعادِي دِينَ الإسلامِ ولا يَدِينُ بهِ.
ولَيْسَتِ العَقِيدَةُ فِي الإسلامِ شَيئًا لا عِلاقَةَ لَهُ بالحَياةِ ولا أثَرَ لَهُ علَيْها، بَلْ سُلُوكُ الإنْسانِ فِي الحَياةِ وتَفاعُلُهُ مَعَها راجِعٌ إلَى عَقِيدَتِهِ، كَيْفَ والسلَفُ والأَئمّةُ متفِقُونَ علَى أنَّ الإيمانَ قَولٌ وعَمَلٌ، فَلا مَحَلَّ لِما يُوحِي فِي كَثِيرٍ من الأحْيانِ بالتعارُضِ بَيْنَ دَعْوةِ الناسِ إلَى تَوحِيدِ اللهِ تعالَى وإصْلاحِ مُعْتَقَداتِهِمْ وفْقَ كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عَلَيهِ؛ وبَيْنَ التبَصُّرِ بآفاتِ الطرِيقِ ومَخاطِرِها، والقُعُودِ بالمِرْصادِ لكُلِّ كَيدٍ يرادُ بِهِ الإسلامُ وأهْلُهُ، وعلَى المُسْلِمِ أنْ يأتِيَ بالواجِباتِ كُلِّها ما أمْكَنَهُ.