الصفحة 73 من 85

ومِن الفِقْهِ فِي السياسَةِ الشرْعِيَّةِ أنْ نَضَعَ الحَدِيثَ عِندَ أَهْلِهِ، وأَنْ نَقْدُرَ لَهُ قَدْرَهُ، وإذا كانَ لا بُدَّ لأهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ من الاطلاعِ عَلى واقِعِ العالَمِ الإسلامِيِّ وحاضِرِهِ؛ وما يَتَعَرَّضُ لَهُ من غَزْوٍ عَسكَرِيِّ واقْتِصادِيٍّ وثَقَافِيِّ؛ فإنَّ الإكْثارَ مِن الحَدِيثِ عنْ تَفاصِيلِ ذلِكَ علَى مَسامِعِ العامَّةِ من الناسِ أَمْرٌ لا يُحْمَدُ، لأَنَّهُ تَهْويلٌ لِشَانِ العَدُوِّ فِي غَيرِ مَحَلِّهِ، وهُو نَوْعٌ مِن الإرْجافِ والتخْذِيلِ الذِي نَهَى اللهُ تَبارَكَ وتعالَى عَنْهُ، كما قال سُبحانَه: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) } ، الإرجافُ من الرجْفَةِ وهِي الزلْزَلَةُ؛ سُمِّيتْ بذلكَ لما يَقعُ بسَبَبِها منَ زلْزَلِةِ القلوبِ واضْطِرابِها، والمرادُ إشاعَةُ الأخْبارِ والتحَدّثُ بِها فِي المجالِسِ والنوادِي مَعَ من يَسألُ ومَنْ لا يَسْأل، وذلكَ بِما يُوقِعُ الشكَّ فِي نَفُوسِ الناسِ والخَوفَ وسُوءَ الظَنِّ بَيْنَهُم؛ قالَ قَتادة: الذينَ يَذْكُرُونَ مِنَ الأَخْبارِ مَا يَضْعُفُ بِهِ قُلُوبُ المؤْمِنينَ وَتَقْوَى بِهِ قُلُوبُ المُشْرِكِينَ. كقَولِهم عن سرايا المسلمين: هُزِمُوا؛ أو أسْرعَ فِيهمُ القَتْلُ؛ ونحْوُ ذلك، ومَثَّلَ لَهُ الفَخْرُ الرازِيُّ بِقَوْلِ القائلِ: غُلِبَ مُحَمَّدٌ؛ وَسَيُخْرَجُ مِنَ المَدِينَةِ وَسُيُؤْخَذُ!، وقِيل: هُم قَومٌ كانُوا يتَحَدَّثُونَ بِغَزْوِ العَرَبِ المَدِينَةَ، وَقَالَ البقاعِيُّ: هُمُ الذينَ يُشِيعُونَ الأَخْبَارَ المخِيفَةَ لأَهْلِ الإسْلامِ، قالَ السَّمرْقَنْدِي: ويُقالُ: الأراجِيفُ تُلَقِّحُ الفِتْنَةَ. انتهى. ويَعْنِي: أنَّ المؤْمِنينَ إِذا حُدِّثُوا عن عَدُوِّهِم بِما يَكْرَهُونَ وَقَعَ فِيهمُ الوَهْنُ والاضْرابُ فَربَّما اخْتَلَفُوا فِيما يَنْبَغِي اتّخاذُهُ من التدابِيرِ لِمُواجَهِةِ عَدُوِّهِم؛ وذلكَ ثَغْرٌ قَدْ يُؤتَى المُؤمِنُونَ من قِبَلِهِ، وقد رُويَ عن ابنِ عباسٍ أنَّ الإرْجافَ الْتِماسُ الفِتْنَةِ.

وَكَما أنَّ التَّهْوِيلَ (باللامِ) مَمْنُوعٌ، فالتَّهْوِينُ - (بالنُّونِ) - فِي غَيرِ مَحَلِّهِ؛ والاسْتِخْفافُ الذِي يَجُرُّ إلَى الغَفْلَةِ والاسْتكانَةِ والقُعُودِ عن طَلَبِ العَدُوِّ مَمنُوعٌ كذلكَ، وقَدْ قالَ تعالَى فِي كتابِهِ الكَرِيمِ {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} ؛ وَالحَذَرُ هُوَ التَّيّقُّظُ وَالتَّحَرُّزُ بِإقْبَالِ الفِكْرِ عَلَى مَا يَمْنَعُ كَيْدَ العَدُوِّ، وقَبْلَ ذلكَ فِي الآيَةِ قَولُهُ تعالَى: {وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} ؛ قالَ البيضاوي: جعلَ الحَذَرَ آلةً يَتَحَصَّنُ بِهَا الغَازِي؛ فَجَمَعَ بَيْنَهُ وبينَ الأسلحةِ فِي وُجوبِ الأَخْذِ. انتهى. وإِنَّما المَطْلُوبُ التوَسُّطُ بِوَضْعِ الأَمْرِ عِنْدَ أهْلِهِ؛ ومُخاطَبَةِ كُلٍّ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وكَما أنَّ تَعْظِيمَ شَأنِ العَدُوِّ يَقَعُ بالقَولِ فَقَدْ يَقَعُ بالفِعْلِ كذلكَ؛ وهذهِ قاعِدَةٌ لا بُدَّ من مُراعاتِها فِي جَمِيعِ فُرُوعِ الإعْلامِ الإسْلامِيِّ سواءٌ المَقْرُوءُ مِنْهُ والمَسمُوعُ والمَرْئِيُّ ولا فَرْقَ، نَعَمْ، وتَهْوينُ شَأنِ الأعْداءِ فِي قُلوبِ المُسْلمينَ عَلَى وَجْهٍ يَزيدُ فٍي تَشجِيعِهِمْ عَلَى قِتالِ عَدُوِّ الدينِ أَمْرٌ مَطلوبٌ؛ كما قالَ تعالَى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} ، وفِي القُرْآنِ الكَريمِ والسنَّةِ النبويَّةِ والسيرَةِ المصطَفَوِيَّةِ علَى صاحِبها صلواتُ وسلامُ ربِّ البرِيَّةِ كَثِيرٌ مِن الأصولِ المَرْعِيَّةِ فِي هذا البابِ نأتِي عَلَيها فِي مَحَلٍّ آخَرَ إنْ شاءَ الله.

واعْلَمْ أنَّ مِن أَعْظَمِ مكايِدِ العَدُوِّ إبْقاءَ المُسْلمِينَ فِي غَفْلَةٍ عَن مَقاصِدِهِ وأهْدافِهِ، وإِبْعادَهمْ عنْ حَقائِقِ الأمُور، وسِياسَتُهُ فِي ذلكَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى واحِدٍ مِن أَمْرَينِ:

الأَوَّل: أنْ يَفْتَعِلَ فِي الظاهِرِ هَدَفًا وغايَةً يَتَّخِذُ مِنْهُ سِتارًا لأَهْدافِهِ الحَقِيقِيَّةِ وغاياتِهِ، والأَمْثِلَةُ علَى هَذا مِن الواقِعِ كَثِيرَةٌ، تَتَناوَلُ الغَزْوَ العَسْكَرِيَّ والثقافِيَّ والاقْتِصادِيَّ، ولا نُرِيدُ ذِكْرَ شَيءٍ من الأمْثِلَةِ هُنا حِفاظًا علَى عُمومِ القاعِدَةِ أوَّلًا؛ ولأَنَّهُ كَثِيرًا ما يَقَعُ الاتِّفاقُ علَى القاعِدَةِ معَ وُرُودِ الخِلافِ فِي دُخُولِ بَعْضِ الصورِ الجُزْئِيَّةِ فِيها ثاثِيًا، ولأَنَّ ذلكَ راجِعٌ إلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت