سَعَةِ ثَقافَةِ القارِئِ وإلْمامِهِ بِما يُحِيطُ بالحَوادِثِ والوقائِعِ مِن الأسْبابِ والنتائجِ ثالِثا، ولأَنَّ إقامَةَ البُرْهانِ عَلَى صِحَّةِ المِثالِ يَجْتَمِلُ بَسطًا لا تَتَّسِعُ لَهُ هَذهِ الرسالَةُ رابِعا.
ثُمَّ ما يَسْتَتِرُ بِهِ مِن الأَهْدافِ والغاياتِ:
إمّا أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ أهْدافِهِ وغاياتِهِ الحَقِيقِيَّةِ؛ ويُرِيدُ بِذلكَ أنْ يُخَفِّفَ مِن وَطْأَةِ أهْدافِهِ الحَقِيقِيَّةِ علَى النفُوسِ؛ لأنَّها تَكُونُ فِي العادَةِ مِمَّا يُقابَلُ بامْتِناعٍ ورَفْضٍ شَدِيدَينِ؛ فَيتَوصلُ بذلكَ إلَى بلوغِ غاياتِهِ بَعِيدًا عن المُمانَعَةِ والمُخالَفَة؛ وَيَتَدَرَّجُ بِهِ إلَى تَرْوِيضِ النفوسِ عَلى قُبُولِ ما تَمْتَنِعُ عَنهُ ابْتِداءً.
وإِما أنْ يَكُونَ مِِن غَيْرِ جِنْسِ الأهْدافِ والغاياتِ التِي يَسْعَى إلَيْها، وهُو يَرْمِي فِي هَذهِ إلَى صَرْفِ الأنْظارِ بالكُلِّيَّةِ غنْ مَقاصِدِهِ، وهُو فِي هَذهِ أَيْضًا أَطْلَقُ يَدًا وأوْسَعُ مِراسًا وأعْظَمُ كَيدًا، والذِي يُساعِدُهُ علَى ذلكَ اطِّلاعُهُ علَى أحْوالِ العالَمِ الإسْلامِيِّ؛ ومَعْرِفَتُهُ بِتَفاصِيلِها؛ وَوُقُوفُهُ عَلى كَثِيرٍ مِن الثغُورِ التِي يَنْفُذُ مِنْها إلَيْهِ، وَأُصُولُ هَذهِ الثُّغُورِ سَبْعَةٌ؛ لا تَجِدُ كَيدًا للإسلامِ إلاَّ ويَرْجِعُ إلَى واحِدٍ مِنْها:
-العِلاقَةُ بَينَ الدِينِ والدولَةِ؛ والفصْلُ بَينَهما وسيلَةُ العُدْوانِ علَى سُلطانِ الشرْعِ؛ وإحْلالِ الشرائعِ الوضْعِيَّةِ مَحَلَّها؛ ومن الثغراتِ التِي أدتْ إلَى ذلكَ مَنْحُ الامتيازاتِ الاقْتصادِيَّةِ والتجارِيِّةِ والأمْنِيةِ والاجْتماعِيةِ والساسِيةِ والحُرِّياتِ الدِّينِيَّةِ للدُّولِ الأجْنَبِيةِ الكافِرِةِ، والسماحِ للأقلِّياتِ الدينِيَّةِ والطائِفِيَّةِ العِرْقِيةِ بِمُمارَساتٍ خارِجَةٍ عَن سُلطانِ الدينِ والشرع؛ وكانَ ذلكَ جَلِيّا زَمَنَ العُثْمانِيّينَ؛ وكانَتْ هَذه الامْتِيازاتُ أحدَ أهَمِّ أسبابِ سُقُوطِ الدولَةِ العُثْمانِيَّةِ؛ كما كانَتْ وسِيلَةً لِتَدَخُّلِ السفَراءِ الأجانِبِ فِي شُئونِ الدَّوْلَةِ!، ثُمَّ اتّسَعَتِ الدائرَةُ؛ ولَمْ تَزَلْ؛ كَما سَنَأتِي عَلى ذلكَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ إنْ شاءَ الله.
وهذا الفصْلُ إنما وُلِدَ فِي أمُمِ الغَرْبِ ابْتِداءً؛ لما كانَ يُعانِيهِ مِن جَورِ حُكامِهِ وظُلْمِهِم، وقَدْ كانَت السلُطاتُ مُجْتَمِعَةً كُلُّها - التنْفِيذِيَّةُ والتشْرِيعِيَّةُ والقَضائِيَّةُ - فِي يَدِ الحَاكِمِ، حَتّى تلكَ الأمَمُ تَدعُوا إلَى الفَصلِ بَينَها بَعْدَ القَرْنِ الثالِثِ عَشَرَ الميلادِيِّ تَخَلُّصًا مِن الظلْمِ الذِي ذكَرْناه، فَلما كانَ عامُ (1791) للمِيلادِ تَبَنَّى الفِرَنْسِيُّونَ ذلكَ، وتَبِعَتْهُمْ بَقِيَّةُ الأمَمِ الأَوْرُوبِيَّةِ علَى آثارِهِم يُهْرَعُون!.
وفِي الشرْعِ لا فَصْلَ بَينَ السياسَةِ والإسلامِ وإنْ ادَّعَى ذلكَ مَن ادَّعاهُ؛ وشَرِيعَةُ الإسلامِ بِحَمْدِ اللهِ تَتَناوَلُ جَمِيعَ مَجالاتِ العُلُومِ السياسِيَّةِ وتَطْبِيقاتِها؛ والتِي تُقَسَّمُ اليَوْمَ إلَى سِتَّةِ مَجالاتٍ؛ وهِيَ: النظَرِيَّةُ السياسِيَّةُ، وعِلْمُ السياسَةِ المُقارَنِ، والعِلاقاتُ الدولِيَّةُ، والحكُوماتُ والعلومُ السياسِيةُ، والإدارَةُ العامَّةُ؛ والسلوكُ السياسِيُ، وبابُ الاجْتِهادِ فِي السياسَةِ الشرْعِيَّةِ يَسَعُ ذلكَ كُلَّهِ؛ شَرِيطَةَ أنْ لا يَقَعَ شَيءٌ مِنْهُ مُخالِفًا لِما جاءَ بِهِ الشرْعُ المُطَهَّر، غَيْرَ أنَّ (المُسْتَعْمرَ) قَدْ عَلِمَ أنَّ الفَصْلَ بَينَ الشرِيعَةِ والسياسَةِ يَفْتَحُ لَهُ أبوبًا لِنَشْرِ مَبادِئِهِ وسِياساتِهِ؛ والتمْكِينِ لعَقائدِهِ وأفْكارِهِ، والعِلْمانِيَّةُ ودُعاتُها خَيرُ مَا اسْتَنَدَ الغُزاةُ المحْتَلُّونَ إلَيْهِ فِي قَطْعِ الصلَةِ بَينَ السياسَةِ والدينِ خِدْمَةً لأَهْدافِ الغُزاةِ بالجَمْعِ بَينَ السيطَرَةِ المادِّيَّةِ والفِكْرِيَّةِ علَى العالَمِ الإسلامِيّ.