الصفحة 75 من 85

وفِي هذا المقامِ لطِيفَةٌ من لطائفِ القُرآنِ الكَرِيمِ نَبَهَ عَلَيها فِي قولِهِ تعالَى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} ؛ فإنَّ هذا الوُدَّ المَعْرُوفَ لَيْسَ هُو المَقْصودَ من الآيَةِ؛ إذْ هو شَأنُ كلِّ محارِبٍ ومُقاتل، وإنما المَقْصودُ أنَّ الكُفارَ يَظُنُّونَ فِي اشْتغالِ المُسلمِينَ بِأمورِ دِينِهِمْ تَباعُدًا عنْ مَصالِحِ دُنْياهُمْ؛ وذلكَ جَهْلٌ مِنْهُم بَحَقِيقَةِ دينِ الإسلامِ؛ حَتَّى حَسِبُوا أنَّ الصلاةَ تُلْهِيهِمْ عن الاسْتعْدادِ لأعْدائِهِم!؛ فَنَبَّهَ علَى ذلكَ حَتى لا يكونَ المُؤمِنونَ عِندَ ظَنِّ المشركِينَ؛ ولِيَتَعَوَّدَ أهْلُ الإسلامِ الأخْذَ بالحَزمِ فِي جَمِيعِ أحوالِهِم، وتَنْبِيها بالأعْلَى عَلَى الأدْنَى؛ فإذا كانَت الصلاةُ التِي هِيَ عمادُ الدِّينِ - وإنَّ فِيها واللهِ لَشُغْلًا - لا ينْبَغِي أنْ تَشغَلَ عن الحَيطَةِ والحَذَرِ والأخْذِ بالأسْبابِ التِي تُحْبطُ مكايدَ العَدُوِّ؛ فَأنْ لا يَشغَلَ عن ذلكَ ما هُو دُونَها مِن أمورِ الإسلامِ وَواجِباتِ الشرْعِ أولى، فَفِي هَذهِ الآيَةِ تَكْذِيبٌ لدَعْوى الفَصْلِ بَينَ الدِّينِ والدَّولَةِ، وأنَّ صَلاحَ الدِّينِ والدنْيا صِنْوانِ لا يَفْتَرِقانِ.

-والثانِي: عَقِيدَةُ الإسلامِ وأصولُهُ وثَوابِتُهُ، فإما بإثارَةِ الشبُهاتِ حَولَها؛ أوْ تَسمِيَتِها وَوَصْفها بأسماءٍ وألْقابٍ

مَنَفِّرَةٍ لا صِلَةَ لَها بالحَقِيقَةِ، ومِن هذا البابِ (الرجْعِيَّةُ والجُمودُ والأصولِيَّةُ والتطَرُّفُ, ... ) وغَيرُ ذلكَ مِما

يَفْتَرُونَ؛ ولِحَركَةِ الاسْتِشراقِ المَعْروفَةِ وتَلامِذَتِها فِي بلادِنا! النصِيبُ الأكْبَرُ مِن ذلك.

ومُسانَدَةُ الدُّولِ الغَرْبِيَّةِ ورِعايَتُها لدُعاةِ الكُفْرِ والإلْحادِ؛ ودُعاةِ البِدَعِ والإفْسادِ؛ دُولًا وأفْرادًا؛ وتَيسيرُ الأسْبابِ المادِّيَّةِ والمَعْنَويَّةِ لَهُمْ، داخِلٌ فِي هذا البابُ، والقاديانِيَّةُ والبهائِيَّةُ ومَلاحِدَةُ المتَصوِّفِةِ؛ والإسماعِيليَّةُ النُّصَيرِيَّةُ؛ والرافِضَةُ؛ ورُؤوسُ المجاهِرِينَ بالعَداءِ للإسلامِ منَ السياسيِّينَ؛ والكتابِ؛ والمُفَكِّرِينَ؛ و مَنْ يُسمَّونَ بِالأُدَباءِ!؛ والشعَراءِ، بَلْ ومِن المُنْتَسِبِينَ إلَى العُلَماءِ والفَقهاءِ والقُرَّاءِ!؛ أمْثِلَةٌ ظاهِرَةٌ ما عادَتْ تَخْفَى عَلَى أحَدٍ.

ومن العُدْوانِ علَى أصولِ الإسلامِ وعَقِيدَتِهِ فَرْضُ القانُونِ الوَضْعِيِّ عَلَى بِلادِ الإسلامِ لأَنَّهُ يَعْنِي إلغاءَ

سِيادَةِ الإسلامِ وإقْرارَ سِيادَةِ المُحْتَلِّ (المُسْتَعْمِرِ) مَحَلَّها، ولأَنَّ (المُحْتَلَّ) هَذا يَعْلَمُ أنَّ قانُونَ الشرْعِ فِي

الإسلامِ قائِمٌ عَلَى فَرْضِ سُلطانِ الإسْلامِ عَلَى مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها؛ وأنَّ اللهَ تعالَى أنْزلَهُ مُصدِّقًا لما

بيَنَ يدَيهِ منَ الكتابِ ومُهَيْمِنًا علَيهِ، وذلكَ لا يَتِمُّ إلاَّ بالسياسَةِ الشرْعِيَّةِ التِي تَقُومُ عَلَى قَاعِدَة الولاءِ

للمؤمنينَ والبراءَةِ من الكافِرينَ؛ وبالجِهادِ فِي سَبِيلِ اللهِ الذِي شُرِعَ لإخْضاعِ العِبادِ لِسُلطانِ الإِسلامِ،

فَإذا مُنِعَ الشرْعُ الإسلامِيُّ وأُقِرَّ الشرْعُ الوَضْعِيُّ فَلا مَعْنَىً لِهَذا إِلاَّ فَرْضَ التَّبَعِيَّةِ للمُسْتَعْمِرِ، وهذا يَبَيِّنُ

سَبَبَ اهْتِمامِ الغَرْبِ بإبْقاءِ السياسَةِ والحُكْمِ فِي مَعْزِلٍ عَنِ الشرْعِ الإسْلامِيِّ ما أمْكَنَ!.

-والثالث: وِحْدَةُ الأُمَّةِ واجْتِماعُ كَلِمَتِها: بزَرْعِ بُذُورِ الإحَنِ والعَداوَاتِ؛ وتَشجِيعِ الانْتِماءِ إلَى القَومِيَّاتِ والأعْراقِ والمذاهِبِ والأحْزابِ!، وإبْقاءِ أَسْبابِ النِّزاعِ قائمَةً ما أمكنَ بَينَ دُوَيلاتِ العالَمِ الإسلامِيِّ، وما مَثَلُ سِياسَةِ الغَرْبِ فِي التَدَخُّلِ فِي هذِهِ النِّزاعاتِ إلاَّ كَما تَقُولُ العَرَبُ فِي أمْثالِها: كَمَثَلِ الطِّوَلِ المُرْخَى فِي اليَدِ!؛ (والطِّوَلُ: الحَبْلُ الذِي يُوضَعُ فِي العَنُقِ) ؛ فإنْ شاءَ مُمْسِكُهُ قادَهُ بِهِ، وإنْ شاءَ ساقَهُ إلَى حَتْفِهِ!، وقَدْ كانَ للاحْتِلالِ الأوروبِيِّ المُعاصِرِ للبِلادِ دَورٌ كَبِيرٌ فِي التجْزِئَةِ والتمَزُّقِ الذِي أصابَ العالَمَ الإسْلامِيَّ؛ وظَهَرَ أثَرُ ذلكَ سياسِيًّا واقْتِصادِيا واجْتِماعِيًا وثقافِيّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت