-والرابِعُ: التارِيخُ الإسْلامِيُّ، لأَنَّ فِي تَشْوِيهِهِ فَصْلًا لِحاضِرِ الأمَّةِ عَن ماضِيها، وإضْعافًا لِواحِدٍ من أهَمِّ الأسْبابِ التِي تَنْهَضُ بِها الأُمَمُ، وكلُّ أمَّةٍ لا تارِيخَ لَها فَلا حاضِرَ ولا مُسْتَقْبَلَ لَها!، إِلاَّ عَلَى طَرِيقَةِ بَعْضِ الفَلاسِفَةِ الصِّينِيِّينَ قَبْلَ (كُونْفُوشْيُوسْ) الذِينَ كانُوا يَقُولُون: مَنْ يَطْرحِ المَجْدَ ولا يَعْبَا بِهِ يَنْجُ مِن الأحْزانِ!، حَتَّى قِيلَ فِي هَذهِ الفَلْسَفَةِ: ألاَ ما أَسعَدَ الإنْسانَ الذِي لا تَارِيخَ لَهُ!.
-والخامِسُ: الأخْلاقُ والمَبادِئُ واالقِيَمُ، ولَئِنْ كانَتْ هَذهِ لا غِنَىً لِكُلِّ مُجْتَمَعٍ عَنْها؛ فإِنَّها ضَرُورَةٌ مِن الضرُورَاتِ الحَياتِيَّةِ لِدَعْوَةِ الإسْلامِ، فإنَّ الإسلامَ لَما كانَ دِينًا للبَشَرِيَّةِ كافَّةً؛ وهُو خاتَمُ الأَدْيانِ، كانَ لاَ بُدَّ لَهُ من قَانُونٍ أخْلاقِيٍّ يُفُوقُ كُلَّ قانُونٍ أخْلاقِيٍّ سِواهُ، وهَذا هُو الواقِعُ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، ومَن زَعَمَ غَيرَ هَذا فَلْيْأتِ بِهِ إنْ كانَ من الصادِقِينَ!، ولَنْ يَجِدَ إلَيْهِ سَبِيلًا، فَالحَرْبُ عَلَى الأخْلاقِ فِي الإسْلامِ لَيْسَتْ حَرْبًا لإضْعافِ تَماسُكِ المُجْتَمَعِ المُسْلِم؛ وإفْسادِهِ مِنْ داخِلِهِ فَحَسْبُ؛ بَلْ هِي سَدٌّ فِي وَجْهِ الزَّحْفِ الإسْلامِيِّ وانْتِشارِ دَعْوَتِهِ بَينَ الأُمَمِ الأُخْرىَ، فافْهَمْ، وما يُعْرَفُ الآنَ (بالعَوْلَمَةِ الثقافِيَّةِ) ؛ وما يَتْبَعُها من إشاعَةِ أسبابِ اللهُوِ لِصَرْفِ الأمَّةِ عَنْ مَعالِي الأمورِ؛ إنّما هِيَ فَصْلٌ من فَصُولِ هَذهِ الحَرْب، بعْدَ أنْ كانَ هَذا الدورُ لِمثلِ الماسونِيّةِ المعُروفِةِ اليَهُودِيَّةِ الأصْلِ والمَنْشأ، ثُمَّ إنَّ المُحافَظَةَ علَى إبْقاءِ العالَمِ الإسلامِيِّ رَهِينَ التَبَعِيَّةِ الثقافِيّةِ والاقْتِصادِيَّةِ يُقَلِّلُ مِن شأنِ ما يُعْرَفُ بالاسْتِقْلالِ السياسِيِّ لِهَذهِ البلادِ.
-والسادِس: خَيراتُ البِلادِ وثَرَواتُها، فَإنَّ المالَ رُكْنٌ فِي بِناءِ الأُمَمِ، وفِي قَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ علَيهِ وسلمَ: وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي؛ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ الجِهادَ وسِيلَةٌ لِحُصُولِ ذلكَ، ولَيسَ تَحْصِيلُ المالِ من هَذا الوَجْهِ مِما انْفَرَدَ بِهِ المسلِمون، بلْ لا تَزالُ الأُمَمُ تَصْنَعُ ذلكَ؛ كما صَنَعَ (الاسْتِعْمارُ) بِنَهْبِ ثَرَواتِ المُسْلمينَ؛ والتسلُّطِ علَى مَوارِدِ أرْزاقِهِم؛ حَتى ولو كانَ ذلكَ باسمِ الاسْتِثمارِ وتَبادلِ المَنافِعِ الاقْتِصادِيَّةِ وحُرِّيَّةِ التجَارَةِ؛ وهِجْرَةِ أثْرِياءِ المُسلمينَ وذَويِ العُلُومِ والخِبراتِ مِنهُمْ إلَى البِلادِ الغَرْبِيّةِ، وعَيْنُ الحالِ تُغْنِي عَنْ لِسانِ المَقالِ.
-والسابِعُ: اللغَةُ العَرَبِيَّةُ التِي نَزَلَ بِها الكتابُ الكَرِيم؛ وهِيَ الرباطُ الوثِيقُ بَينَ الأُمَّةِ وبَينَ الشرْعِ المُنَزِّلِ هُدَىً للعالَمِينَ، ولَيسَ هَذا الثَّغْرُ دُونَ ما سَبَقَ؛ بلْ لَعَلَّهُ من أشدِّ الثغُورِ ضَراوَةً وأعْظَمِهِنَّ خَطَرًا؛ ثُمَّ إنَّ للعَرَبِ مِنَ إِقامَةِ دِينِ الإسلامِ ما لَيْسَ لِغَيرِهم من الأُمَمِ، وفِي العُدْوانِ علَى هَذهِ اللغَةِ تَنْحِيَةٌ لَهُمْ عن المَوطِنِ الذِي اخْتارَهُمُ اللهُ تعالَى لَهُ!، فَلا جَرَمَ أنْ تُوجَّهَ إلَيها سِهامُ الاتِّهامِ وأنْ تُرْمَى بَقَوسِ البُؤْسِ وتُنْسَبَ إلَى عَقَبَةِ العُقْمِ!، ولا ضَيرَ؛ فإنّها باقِيَةٌ بِبَقاءِ الكِتابِ العَزِيرِ؛ شَرِيفَةٌ بِشَرَفِهِ وللهِ الحَمْد؛ وقَدْ جَعَلَ الأئِمَّةُ حُبَّها من دلائلِ الإيمانِ وبُغْضَها من عَلائِمِ الكُفْرانِ، وهِيَ فَوقَ ذلكَ لُغَةُ خاتَمِ الأنْبِياءِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيهِ، ومِشْكاةُ دِينِ الإسلامِ الذِي لا يَقْبَلُ اللهُ تعالَى مِمَّنْ يَبْتَغِي دِينًا سواهُ، قالَ العَلامَةُ اللغَويُّ الأدِيبُ أبو مَنْصُورٍ عَبْدُ المَلكِ بنُ مُحمدِ بنِ إسماعِيلَ الثعالِبِيُّ (350 - 429) رَحِمَهُ الله: من أحبّ اللهَ تعالَى أحَبَّ رسولَهُ مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ علَيهِ وسلم، ومن أحَبَّ الرسولَ العَرَبِيَّ أحَبَّ العَرَب، ومَن أحَبَّ العَرَبَ أحَبَّ العَرَبِيَّةَ التِي بِها نَزلَ أفْضلُ الكُتُبِ علَى أفْضلِ العَجَمِ والعَرَب، ومَن أحَبَّ العَرَبِيَّةَ عُنِيَ بِها وثابَرَ علَيها وصَرَفَ هَمَّهَ إلَيها، ومَن هَداهُ حُبهُ للإسلامِ وشُرِحَ صدْرُهُ للإيمانِ وآتاهُ اللهُ حُسنَ سريرَةٍ فِيه؛ اعتقدَ أنَّ مُحمدًا صلى اللهُ عليهِ وسلمَ خَيرُ الرسلِ؛