والإسلامَ خَيرُ المِلَل؛ والعَربَ خَيرُ الأمَم؛ والعَرَبِيةَ خَيرُ اللغاتِ؛ والإقْبالَ علَى تَعَلُّمِها من الديانَةِ؛ إذْ هِي أداةُ العِلمِ؛ ومِفْتاحُ التفَقُّهِ فِي الدينِ؛ وسبَبُ إصْلاحِ المَعاش والمَعاد. انتهى.
والثانِي: أنْ تَبْلُغَ أهْدافُهُ وغاياتُهُ مِن الوُضُوحِ والظهُور ما لا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ إِخْفاءَهَا؛ ولا يَتَسَنَّى لَهُ أن يَفْعَلَ فِي هَذَا مَا يَصْنَعُهُ فِي الأَوَّلِ؛ فَتَرْجِعُ سِياسَتُهُ فِي هَذهِ الصورَةِ إلَى مِيزانِ القُوَّةِ؛ والمُحافَظَةِ علَى رُجْحانِ جانِبِهِ فِيها، ويَعْمِدُ إلَى تَخْفِيفِ وَطْأَةِ أهْدافِهِ علَى الناسِ بالتّأثِيرِ علَى مَفاهِيمِهِمْ واستِدْراجِهِمْ فِي تَغْيِيرِها، ولا بُدَّ لَهُ فِي هَذهِ خاصَّةً مِنْ لَيِّ اللسانِ والمُخادَعَةِ بالكَلامِ، وهِي سِياسَةٌ قَدْ تَتَغَيَّرُ صُوَرُها وأشْكالُها؛ لكِنْ يَبْقَى جُوْهَرُها واحِدًا لا يَتَغَيَّرُ، وفِيما وَقَعَ للمُسْلِمينَ فِي الأنْدَلُسِ إلَى ما يَقَعُ لَهُمُ اليومَ فِي فِلَسطِينَ وما بَينَهَما أمْثِلَةٌ لِذلك.
واعْلَمْ أنَّ قَولَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ: الحَرْبُ (خَدْعَةٌ) ؛ تُضْبَطُ عَلَى سِتَّةِ وُجُوهٍ؛ مِنْها هَذا بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ الدال؛ قِيلَ: ومَعْناهُ: مَنْ خُدِعَ فِيها خَدْعَةً فَزَلَّتْ قَدَمُه وعَطِبَ فَلَيْسَ لَهَا إِقَالَةٌ، ومِنْها:
(خُدَعَةٌ) ؛ بِضَمِّ الخاءِ وفَتْحِ الدالِ؛ ومَعْناهُ: تَخْدَعُ أَهْلَها، فَفِي هَذا دَلِيلٌ علَى وُجُوبِ التَّيَقُّظِ دائِمًا إلَى ما وَراءَ ما يُظْهِرُهُ العَدُوُّ مِن الأَقْوالِ والأعْمالِ، لأَنَّ هَذا هُو الأصْلُ فِي مَعْنَى المُخادَعَةِ فِي الحَرْبِ: إظْهارُ شَيءٍ وإبْطانُ آخَرَ، وهَذا يَدُلُّكَ عَلَى أنَّ كُلَّ ما يُعِينُ علَى ذلكَ من العُلُومِ والأسْبابِ المُباحَةِ فَمَعْرِفَتُهُ من فُروضِ الكِفاياتِ علَى المُسْلمينَ؛ لأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلا بِهِ فَهُوَ واجِبٌ، والذبُّ عن حَوزَةِ الإسلامِ لا يَتِمُّ إلا بِذلكَ، فصارَ تَعَلُّمُ الكَيدِ لكسْرِ شَوكَةِ عَدُوِّ الدينِ؛ والاحْتِيالُ لِمُناصَرَةِ أهْلِ الإسلامِ من الواجِباتِ، وهذا كَيدٌ مَشروع؛ كما قالَ تعالَى: {كَذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ} ؛ أَي عَلَّمْناهُ المَكِيدَةَ عَلى إِخْوَتِهِ، وفِي قَولِهِ تعالَى: {وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اللهَ سُبْحانَهُ قَدْ يَهْدِي كَيْدَ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِكَيدِهِ خِيانَةً وظُلْمًا، بَلْ قَدْ يَكُونُ الكَيْدُ للعَدُوِّ وسِيلَةً لإقامَةِ ما أمَرَ اللهُ تعالَى بهِ من التوحِيدِ والكُفْرِ بِكُلِ مَعْبودٍ سواه؛ كما فِي قَولِ إبْراهِيمَ عَلَيهِ السلامُ لِقَومِهِ: {وَتَاللهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} ؛ قالَ فِي بَصائرِ ذوِي التَّمْيِيزِ: أَيْ: لأُريدنَّ بِهِمْ سُوءًا، وكلُّ شىء تُعَالِجُهُ فأَنتَ تَكِيدُهُ، وفي الكتابِ المذكُورِ أيضًا أنَّ المكرَ ضرْبانِ مُحْمودٌ وهو: ما يُتَحرّى به أَمرٌ جميلٌ، وعلى ذلك قولُه تعالَى: {وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} ، ومذمومٌ وهوَ ما يُتحرّى به فِعْلٌ ذَميمٌ، نَحْوُ قولهِ تعالَى: {وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} ، انْتَهى. وهذهِ الآيَةُ الأخِيرَةُ عُدَّتْ مِن أمْثالِ القُرْآنِ التِي لَمْ يَسْبِقِ الكَلامُ بِها قَبْلَ نزولِهِ.
وقَدْ يرِيدُ العَدُوُّ كَيْدًا فَيَسْتَظْهِرُ لَهُ بِغَيرِهِ؛ ويَجْعَلُ اللهُ فِيما يَسْتَظْهِرُ بِهِ سَبَبًا لنَصْرِ أهْلِ الإسلامِ؛ ويكُونُ ذلكَ مِن مَكْرِ اللهِ تَعالَى بِهِ؛ واستِدْراجِهِ إلَى عاقِبَةٍ يَكُونُ فِيها هَلاكُهُ وزَوالُ دَولَتِهِ، كما يَقَعُ لَهُ ولا يَزالُ فِي كَثِيرٍ من المَواطِنِ، وذلكَ داخِلٌ فِي عُمُومِ قَولِهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلمَ فِي حَدِيثِ الصحِيحَينِ وغَيرِهما: وإنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذا الدينَ بالرجُلِ الفاجِرِ، لكِنْ يَحْتاجُ هَذا إلَى مَعْرِفَةٍ وخِبْرَةٍ بِمواطِنِ المَصالِحِ والمَفاسدِ وتَداخُلِها؛ واطِّلاعٍ عَلى ما يَعْرِضُ للسياساتِ منَ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، كما نَبَّهنا عَلَيهِ مرارًا فِي غَيرِ هَذا المَحَلّ.
ولَيْسَتِ المَصالِحُ والمَفاسِدُ عَلى رُتْبَةٍ واحَدَةٍ، بلْ هِي مُتبايِنَةٌ مُتَفاوِتَةٌ، ويَتْبَعُ ذلكَ تَبايُنٌ فِي تَصْنِيفِ الخُصومِ بِحَسبِ ضَرَرِهِمْ وخَطَرِهِمْ، وهُمْ أَرْبَعَةُ أقْسامٍ فِي الجُمْلَةِ: