الصفحة 78 من 85

-عَدُوُّ ظاهِرُ العَداوِةِ؛ بَيِّنُ الخَصُومَةِ، وهَذا أَقَلُّهُمْ شَرًّا؛ كما قالَ ابنُ المَعْتَزِّ فيما حَكاهُ عَنهُ القلْعِيُّ فِي كتابِهِ فِي السياسَةِ: أوهَنُ الأعْداءِ كَيْدًا أظْهَرُهُمْ لِعَداوَتِهِ، ومِثْلُ هَذا لا يَحْتاجُ غَيرَ المُصابَرَةِ حَتّى يردّهُ اللهُ عَلى أعْقابِهِ خاسِئًا.

-والثانِي: يَسْتَوي مَعَ الأوَّلِ فِي أصْلِ العَداوَةِ؛ لكِنَّهُ دُونَهُ فِي إظْهارِها؛ لِمَصالِحَ يَرْتَجِي تَحْصِيلَها؛ أو لِضَرَرٍ يَدْفَعُهُ عنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ هَذهِ المَصالِحُ والأضْرارُ إما أنْ تَتَعَلَّقَ بِمكانٍ مُعَيَّنٍ أو زَمانٍ مُعَيَّنٍ أو بِهِما مَعًا، والسياسَةُ مَعَ هَذا الفَرِيقِ فَرْعٌ عن مَعْرِفَةِ ذلك.

-والثالِثُ: خَفِيُّ العَداوَةِ؛ ساعٍ بالكَيْدِ بَقَدْرٍ لا تَفُوتُ فِيهِ مَصالِحُهُ، فَهُوَ أشْبَهُ بالمُنافِقِينَ مِن هَذا الوَجْهِ، وهذا والذِي قَبْلَهُ إنْ كَانَ يُرْجَى انْصِلاحُهُ وكَفُّ عادِيَتِهِ علَى أهْلِ الإسلامِ بالبَذْلِ واللِّينِ فَلْيُفْعَلْ مَعَهُ ذلكَ؛ ما كانَ فِي ذلكَ مَصْلَحَةُ أهْلِ الإسلام، ولأنَّ تَكْثِيرَ العداواتِ والخُصومَاتِ وفَتْحَ أبوابِها جُمْلَةً واحِدَةً خارِجَةٌ عن هَدْيِ النَبِيِّ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عَلَيهِ فِي السياسَةِ الشرْعِية.

-والرابِعُ: أشَدُّ إخْفاءً للعَداوَةِ مِن الثالِثِ، وأعْظَمُ سَعْيًا فِي الخُصومَةِ لأَهْلِ الإسلامِ؛ فَهُوَ أشدُّ الأصْنافِ الأرْبَعَةِ خَطَرًا ومَكْرًا، وهَذا يَنْبَغِي المُسارَعَةُ بالكَيْدِ لَهُ وحَسْمُ مادَّتِهِ واسْتِئْصالُ شَأفَتِهِ؛ كما قالَ أبو عَبْدِ اللهِ القَلْعِيُّ فِي تَهْذِيبِ الرياسَةِ وتَرْتِيبِ السياسَةِ، وقَدْ قِيل: الكَيْدُ أَبْلَغُ مِن الأَيْدِ (القوّةِ) ، وقِيل: المكِيدَةُ أبْلَغُ من النجْدَةِ، ومن هذا المَعْنَى قَولُ الشاعِر:

إذا كُنْتُ لا أَرْمِي الظِّباءَ فَإنَّنِي ... أَدُسُّ لَها تَحْتَ التُّرابِ دَسائِسًا!.

واعلمْ أنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ قَدْ ذكَرَ جُمْلَةَ مِن الأُمورِ التِي يكِيدُ بِها العَدُوُّ لأهْلِ الإسلامِ؛ وَلا تَجِدُ مَكْرًا إلا وَهُو راجِعٌ إلَيها!، ولولاَ الإطالَةُ لأَتَيْنا مِن ذلكَ بِما لا يَدَعُ لِعَدُوِّ الدِّينَ مَنفَذًا، ولِيعْلَمَ الواقِفُ علَيهِ ماذا فِي الكتابِ الكَرِيمِ منَ المُعالَجَةِ للنفْسِ البشَرِيَّةِ وإماطَةِ اللثامِ عن أسرارِها إلَى حَدٍّ لا يَنْقَضِي مَعَهُ العَجَبُ، ولا جَرَمَ؛ فإنَّ كِتابَ اللهِ تعالَى هُو مِشكاةُ الشرْعِ الذِي ارْتَضاهُ اللهُ للبَشرِيَّةِ كُلِّها دِينًا إلَى قِيامِ الساعَةِ، وبَيانُ ذلكَ داخِلٌ فِي جُمْلَةِ قَولِهِ تعالَى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِنَ} ؛ لكِنَّنا نُشيرُ إلَى جُمْلَةٍ مِن ذلكَ تُنَبِّهُ عَلى ما سِواها، ونَدَعُ التفْصِيلَ فِي مَوطِنٍ آخَرَ إن شاءَ الله.

فَمِنْ ذلكَ الإشارَةُ إلَى أنَّ المَكْرَ إما أنْ يَكُونَ بِصاحِبِ الدَّعْوةِ أو بِدَعْوَتِهِ!؛ ولا ثالِثَ لَهُما، أمَّا صاحِبُ الدَّعْوَةِ فَنَبَّهَ علَى أنّ غايَةَ ما يَمْكُرونَ بِهِ راجِعٌ إلَى واحِدٍ مِنْ ثَلاثَةٍ: الحَبْسُ والمَنْعُ من الحَركَةِ؛ والقَتْلُ، والإخْراجُ والنفْيُ، وأمّا الدِينُ فَمِنْ طَرِيقِ الطعْنِ فِيهِ ونِسْبَتِهِ إلَى أساطِيرِ الأولِينَ ونَحْوِ هذا، كذا أَفَدْناهُ مِن مَعْنَى كلامِ الفَخْرِ الرازِي فِي تَفْسيرِ سورَةِ الأنْفال.

ثُمَّ تَنْبِيهُ القُرْآنِ عَلى أنْواعٍ من المَكْرِ تَفْصِيلًا، وجُمْلَتُها راجِعٌ إلَى إبْطالِ الحَقِّ وتَقْرِيرِ الباطِلِ ...

مِنْها: المُحاجَّةُ فِي اللهِ تعالَى، كفِعْلِ النمْرود.

ومِنْها: العُتُوَّ والتجَبُّرُ؛ كفِعْلِ فرْعَونَ، وأشارَ إلَيهِ فِي قَولِهِ تعالَى: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ} ؛ قالَهُ العِزُّ بنُ عَبدِ السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت