ونَشْرُ مِثْلِ هذا بَيْنَ الْمُسْلِمينَ عامةً والْمُجاهِدِينَ خاصَّةً مما يَحْفَظُ اللهُ بهِ الجهاد، ويَقِيهِ بِهِ عَنِ الوُقُوعِ في مَدَاحِضِ الأهْواءِ ومَزَالِقِ الشُّبُهَات، ويَحْفَظُهُ من مَصَارعِ السوءِ!، ولا يَخْفَى أنّ النفوسَ مجبولَةٌ على حُبِّ التَّمَلُّكِ والتَّسَلُّطِ، وهذا مِنْ أعظمِ أسبابِ العُدْوانِ والظلم؛ مالَمْ يَزَعْها دينٌ زَاجِرٌ أو يَرْدَعْها سُلْطانٌ قاهِر، والْجُرْأَةُ على الدماءِ قَرِينَةُ الجهلِ، - والله المستعان - والجاهِلُ أحْوَجُ إلى كَبْحِ جِمَاحِ النفْسِ وتَقْيِيدِها بِقُيُودِ الشرعِ وضبطِها يِضَوابِطِهِ مِنْ حاجَتِهِ إلى إِطْلاقِ يَدَيْهِ فيما يُوافِقُ مُرَادَ النفسِ وهَواها وللشيطانِ فيهِ حَظٌّ عظيم.
وفي قوله تعالى في سورةِ النساءِ: {فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ} نُكْتَةٌ مِن الْمُناسِبِ إِيرَادُها في هذا الموضِع، ذكَرَها البَيْضَاوِيُّ رحمهُ الله فقالَ: وإنّما قال: فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ، تنبيهًا على أن المجاهدَ يَنْبَغِي أن يَثْبُتَ في المعرَكَةِ حَتّى يُعِزَّ نفسَهُ بالشهادةِ؛ أو الدينَ بالظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وأنْ لا يكونَ قَصْدُهُ بالذاتِ إلى القَتْلِ، بَلْ إلى إِعْلاءِ الحقِّ وإِعْزازِ الدين. انتهى.
وجِماعُ الْمَعْقُودِ في هذه النصيحَةِ أن الواجِبَ الاحتياطُ فِي هذا البابِ ما أَمْكَنَ، وتَفْوِيضُ أَمْرِهِ إلى حَمَلَةِ الشَّرْعِ مِنْ أهلِ العِلْمِ لتَمْحِيصِ مَسَائِلِهِ وتَخْلِيصِها مِنْ شَطَحَاتِ الْمُتَعَالِمِينَ وهَفَوَاتِ صِغارِ الْمُتَعَلِّمِينَ، كما أنَّ الواجِبَ علَى كافَّةِ المجاهدينَ عَدَمُ الإقْدَامِ علَى شَيْئٍ مٍنْ ذلكَ إلا بعدَ الفُتْيا مِنَ العلماء الْمُؤَهّلِينَ المهتدِينَ بِنُورِ الوَحْيَيْنِ الشريفَينِ.
ثَمَّ إنَّ التوَلِّيَ عن هذا - عافانا الله وإخوانَنَا مِنْ ذلكَ - جِنايَةٌ على الشَّرْعِ ودُخُولٌ في حُكْمِ قولهِ تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} .
وأما الفريقُ الثانِي: فَمَنْ كانَ فيهِ مَيْلٌ مِنَ المُجاهِدينَ لطلَبِ العِلْمِ وتَحْصيلِهِ؛ وأَمْكَنَ صَرْفُ هِمَّتِهِ إلَيْهِ وتَفْرِيغُ وَقْتِهِ للقيامِ بِحَقِّهِ؛ وعَدَمِ شَغْلِهِ بِغَيْرِهِ فَلْيُفْعَلْ بِهِ ذلكَ، علَى أَنْ لا يُغَادِرَ مَيادِينَ النزَالِ، أداءً للفَرْضِ الواجِبِ أولًا، وجمعًا بينَ شَرَفَيِ العلْمِ والجهادِ ثانِيًا، وليكونَ أَعْوَنَ لهُ علَى مَعْرِفَةِ مايَسْتَجِدُّ مِنْ نَوازِلِ الجهادِ ثالِثًا، ولْيَكُنْ وُكْدُهُ وَهَمُّهُ تَعَلُّمَ أحكامِ الجهادِ في سَبِيلِ اللهِ وحِفْظَ مَسائِلِهِ وإِتْقَانَ فُرُوعِهِ ودَقَائِقِهِ، فإنْ وُفِّقَ إلى عالِمٍ أو طالِبٍ عِلْمٍ مُتَقَدِّمٍ في الطلَبِ يَقْرَأُ علَيهِ مَتْنًا في البابِ أو مَتْنَينِ مَعَ حَفْظِهِ وشَرْحِهِ فَتِلكَ النِّعْمَةُ التي مِنْ حَقِّها أن تُشْكر؛ والجادَّةُ التي لا بَدُّ مِنْ لزومِها إذ هِيَ مَوْرُوثُ السلَفِ في الطلَبِ أمَّةً بعْدَ أمَّة، وإنِ اسْتَطاعَ معَ ذلكَ أنْ لا يَدَعَ كِتابًا فِي أحكامِ الجهادِ إلاَّ وطالَعَهُ فَلْيَفْعَلْ، ويحتاجُ مَعَ ذلِكَ إلى مُطالَعَةِ أَحْكَامِ البُغاةِ وأَحْكامِ الْمُرْتدِّينَ، وكلُّ ذلكَ في كُتُبِ شُرُوحِ الحدِيثِ أولًا، ثمَّ فِي كُتُبِ فِقْهِ المذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ وكُتُبِ العلاّمَةِ ابنِ حزمٍ رحمه الله، ثم في كتبِ شَيْخَيِ الإسْلامِ ابنِ تيميةَ وابنِ القَيِّمِ رحِمَهُما اللهُ تعالى، وفِي كُتُبِ بَعْضِ الْمُتأَخِّرِينَ كالشَّوْكانِيِّ والقِنَّوْجِيِّ والألْبانِيِّ وغَيْرِهِمْ رحِمَهمُ الله، ثم في كتبِ النوازِلِ والفتاوِي مُقَدِّمًا نوازِلَ المالِكِيَّةِ والحَنَفِيَّةِ فإنَّ فيها في هذا البابِ ما لَيْسَ في غَيْرِها، والله الموفِّقُ لكلِّ خيرٍ لا ربَّ سِواه.
وأمَراءُ المجاهِدينَ مِنْ أعظَمِ الناسِ حاجَةً إلى العِلْمِ وَتَقْريبِ أهْلِه؛ وأَكْبَرُ عَوْنٍ لهمْ على فقهِ السياسةِ الشرْعِيَّةِ وتدبيرِ أُمُورِ الرعِيَّةِ مُطَالَعَةُ كُتُبِ السيرَةِ والفُتُوحِ والتوارِيخِ والتراجِمِ كما هوَ صَنِيعُ بَعْضِ مَنْ سَلَفَ مِنْ مُلُوكِ العدْلِ وأُمَراءِ الإسلامِ رَحِمَهُمُ الله، فلا يُخْلِي نَفْسَهُ مِن قارِئٍ يقرأُ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيئًا من ذلكَ في كلِّ يَوْمٍ وإنْ قلَّ، فإنهُ يَنْتَفِعُ به جداُ إن شاء الله تَعالى.