فإسقاط النظام في واقع الأمر مصلحة دينية دنيوية، ومثل هذا القائل يجب أن يُعلَّم الغايات الشرعية ما بعد إسقاط النظام؛ حتى لا يسرق العدو ثمرة الجهاد.
كما أن الغاية قد تكون صالحة كما هو الحال في غايات جهاد المجاهدين في الشام وغير الشام، وقد تكون الغاية فاسدة وهذا الفساد على درجات، فمن هذا الفساد ما يكون معصية كحال البغاة في الأزمنة المتأخرة للخلافة حيث غلب على البغاة الفسق والظلم، ويُفهم هذا من تعقب شيخ الإسلام لابن عقيل الحنبلي -رحمهما الله- حيث اعترض شيخ الإسلام عليه إطلاق لفظ الفسق على البغاة، وقال -أي شيخ الإسلام-:"لعل أبا الوفاء -أي ابن عقيل- نظر إلى بغاة زمانه فوجد فيهم الفسق فأطلق الوصف، وإلا فإن البغاة قد يكونون متأولين مخطئين كما هو معلوم ولا يوصفون بالفسق حينها".
ومنه -أي من فساد الغاية- ما يكون كبيرة كما هو حال قُطَّاع الطريق المحاربين المفسدين، الذين قال الله في أمثالهم: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
ومنه -أي من فساد الغاية- ما يكون كفرًا كفساد غاية اجتماع الجيش النصيري، وكذا حزب إيران اللبناني، وكذا حزب العمال الكردستاني -البككة-، وكذلك البشمركة وأمثالهم.
ولا بد في الغاية أن تكون هي علة الاجتماع وسببه أو أن تطَّرد في تلك الطائفة بحيث يصح وصف تلك الطائفة أو الجماعة بها، وسنتبين لدى الحديث عن الطائفة الممتنعة أن جهل الأفراد بهذه الغاية أو العلة أو تأولهم لا يمنع من الْحاق الوصف بتلك الطائفة، وبالتالي لا يمنع من بناء الأحكام في التعامل معها استنادًا لذلك الوصف، فالجهل أو التأول قد يَعذر الفرد المُعيَّن من لحوق الوصف به، لكن لا يمنع من الْحاق الوصف بالطائفة وبالتالي لا يمنع من بناء الأحكام المترتبة على ذلك الوصف.
الجانب الثالث في مفهوم الطائفة بعد الجماعة والغاية: التناصر بقوة السلاح، بمعنى كما قلنا فإذا تَناصروا فيما بينهم لتحقيق غايتهم بالقوة السياسية والعسكرية حتى اكتسبوا منعة بفضل شوكتهم -أي سلاحهم وقوتهم- فيجوز في اللغة أن نطلق عليهم اسم الطائفة الممتنعة.
ولشرح هذا نقول: قدمنا فيما سبق أثناء شرحنا لمفهوم الطائفة أن الطائفة جماعة، أي: قيادة وأتباع، مع سمع وطاعة الأتباع للقيادة، جمعتهم غاية سواء كانت دينية أو دنيوية صالحة أو فاسدة، ونتكلم في هذه الفقرة عن التناصر والشوكة ووجودهما ضروري لتوصف الطائفة بأنها ممتنعة بالمعنى اللغوي، ويظهر الفرق في المثال التالي: الشيعة في لبنان كانوا في بدايات القرن