ثم قال شارحًا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم:" (ويرد مُتسرِّيهم على قاعدهم) يعني أن جيش المسلمين إذا تسرت منه سرية فغنمت مالًا فإن الجيش شاركها فيما غنمت؛ لأنها بظهره وقوته تمكنَت"إلى أن قال:"وكذلك لو غنم الجيش غنيمة شاركته السرية؛ لأنها في مصلحة الجيش"
ثم قال:"فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم"انتهى من (مجموع الفتاوى)
المعنى الثاني من معاني الامتناع: وهو الذي إذا أطلق مصطلح الطائفة الممتنعة انصرف إليه، وهو المعنى الشرعي الفقهي الذي تعارف عليه الفقهاء في فقههم لدى إطلاق مصطلح الطائفة الممتنعة، فهو: الطائفة الممتنعة عن الشريعة كليًا أو جزئيًا، أي الطائفة الممتنعة عن الشريعة أو عن شريعة من الشرائع أو شعيرة من الشعائر، وأول من أشاع هذا المصطلح هو شيخ الإسلام ابن تيمية وذلك لدى حديثه عن نوع قتال التتار -كما ذكر الشيخ أبو قتادة حفظه الله-.
والخلاصة أن عندنا نوعان من الامتناع/ الأول: الطائفة الممتنعة بشوكة فهذا كما قلنا توصيف لا يحمل حكمًا ابتداءً على تلك الطائفة، ومن هذا الباب ما سبق ووصفنا به جماعة الدولة حيث قلنا فيهم أنهم طائفة ممتنعة بشوكة، أما حُكمنا فيهم فهم أنهم طائفة خوارج وأنهم امتنعوا عن التحكيم.
قد قال الشيخ أبو محمد المقدسي فيهم:"فئة باغية ممتنعة عن التحكيم"
وقد قلنا أن الطائفة في هذه الحالة قد تمتنع بشوكتها، وقد تمتنع بشوكة غيرها، كما لو لحقت بدار الحرب.
الثاني من أنواع الامتناع: الطائفة الممتنعة عن الشرائع أو عن بعض الشرائع وهي المقصودة هنا وعليها مدار الحديث، وليس لها حكم واحد كما سيتبين وإنما يُنظر إلى ما امتنعت عنه.
وبعد هذا التفريق بين الطائفة الممتنعة"بِـ"، والطائفة الممتنعة"عن"، نتوقف لنسجل الملاحظات التالية:
الملاحظة الأولى: عندما نقول الطائفة الممتنعة في الفقه الإسلامي، فنحن نقصد من هذا العنوان أننا إنما نتكلم في مسألة فقهية، نعم فقهية، ولا يترتب عليها ولاء وبراء بل نتعامل معها كما يتعامل العلماء مع كل المسائل الفقهية بحيث نأتي بالأدلة على ما نذهب إليه ونناقش المخالف وننصب له الأدلة للدلالة على صحة ما ترجح لدينا فقهًا، فإذا بقي المخالف مخالفًا فليس معنى هذا أن نتبرأ منه ونعاديه، فالمسألة ليست من مسائل العقائد بحيث ينصب عليها الولاء والبراء! بل هي من مسائل الفقه، ومسائل الفقه هي مجال للاجتهاد، بمعنى أن غاية ما يوصف به المخالف فيها أنه مخطئ أو متعصب، أما أن يوصف بالتبديع بإرجاء أو خروج أو يوصف بالفسق والضلال! فهذا مخالفة لما عليه علماؤنا في مسائل الفقه فضلًا عن أن يُكفَّر.