وللذكر فقد يكون المخالف هو المحق وتكون أنت المخطئ، فلا تتعجل، واعلم أن بعض العلماء عرَّف الفقه بأنه"سعة الصدر على المخالف"، أقول هذا رغم أن كثير من إخواننا قد يظن أن ما سنتكلم عنه هو من صميم العقيدة، والأمر ليس كذلك.
أما أن بعض ما سنتكلم عنه له تعلق بعلم العقيدة فنعم، ولكن ليس كل ما له تعلق بالعقيدة كأصل يَنصبُّ عليه الولاء والبراء إذا كان إنزاله وتطبيقه في الواقع أمرًا فقهيًا.
الملاحظة الثانية: وهي ملاحظة في غاية الأهمية، وتحل لإخواننا كثيرًا من المشاكل والأزمات الفكرية، وهي أن تعلم -أيها الأخ المجاهد الحبيب- أن علماءنا الكرام حينما بحثوا الطائفة الممتنعة فقهًا لم يكن مقصود بحثهم الحكم عليها بالتكفير من عدمه، فليست الغاية هي البحث في تكفير الطائفة الممتنعة وما لأجل هذا تكلم علماؤنا في الطائفة الممتنعة، وإنما بحث علماؤنا الطائفة الممتنعة؛ ليبينوا حكمها من جهة القتال كأمر فقهي، وعلى رأس هؤلاء شيخ الإسلام -رحمه الله-، وقد ذكر الشيخ أبو قتادة -حفظه الله- أن الحكم على الطائفة الممتنعة عن الشريعة لا يبين حكمها إسلامًا وكفرًا، وإنما يبين حكمها من جهة القتال، وأضاف:"إن الذين قالوا إن الطوائف الممتنعة كفار قد أخطؤوا، وكذلك الذين قالوا أنهم مسلمون أخطؤوا؛ لأن الامتناع مراتب وليس مرتبة واحدة، وسواء امتنعت الطائفة عن أمرٍ الامتناع عنه كفر أو امتنعت عما لا يعد الامتناع عنه كفرًا، إلا أنها تقاتَل، ولأجل هذا بحث علماؤنا في الطائفة الممتنعة"انتهى بتصرف يسير.
أي من أجل أحكام القتال وما يتعلق بها من الهجوم والمباغتة والمعاملة والأسر واتباع المدبر وحكم الأسير والتذفيف على الجريح وغير ذلك من أحكام تتعلق بالقتال وتوابعه وطريقة التعامل مع هذه الطوائف قتالًا وقتلًا وأسرًا وأخذًا للمال، من أجل ذلك بحث العلماء في الطائفة الممتنعة.
وقال الشيخ أبو قتادة في (أجوبة الأسئلة الحمصية) :"مسألة الطائفة الممتنعة لم تُبحث في العلم من أجل موضوع التكفير وعدمه، وهي لا دخل لها أساسًا في هذا الموضوع، ولأجل هذا قلنا أننا أمام موضوع فقهي"
وأضاف الشيخ:"وعندما تكلم ابن تيمية في هذا النوع من القتال إنما أراد أن يثبت وجوب قتال التتار لما اختلف فيه فقهاء عصره، وجوب قتالهم تحت هذا النوع من الجهاد أي قتال الطوائف الممتنعة، وهذا لا علاقة له بالتكفير"انتهى بتصرف.
الملاحظة الثالثة: وهي متتمة للتي قبلها، فقد ذكرنا سابقًا أن الغاية التي تجمع الطائفة قد تكون فعلًا كما لو اجتمعوا على عقيدة ومنهج ديني، أو كما لو اجتمعوا على عمل مشترك لتحقيق مصالح لهم كقطع الطريق، وقد تكون الغاية تركًا، والمقصود به الطائفة الممتنعة عن الشريعة