الصفحة 34 من 56

كافر سواءً امتنع أم لم يمتنع، وفي هذا يقول الشيخ:"فتكفير الصحابة العيني لأتباع وأنصار المتنبئين من غير تبين لتوفر الشروط وانتفاء الموانع في حقهم لم يكن مرده إلى أنهم ناصروا إمامًا من أئمة الردة فحسب! بل أصل مرجعه أن ما تلبسوا به من الكفر أمر معلوم من الدين بالضرورة بحيث يستوي فيه الممتنع وغيره لعدم تصور تأثير عارض الشبهة والتأويل عند أمثالهم أصلًا، فالبحث عن الموانع في حقهم ومن شابههم يعد في حكم البحث عن المعدوم"انتهى

وفي هذا يقول شيخ الإسلام في (منهاج السنة) :"فإنه -أي أبو بكر الصديق رضي الله عنه- إنما قاتل بني حنيفة لكونهم آمنوا بمسيلمة الكذاب واعتقدوا نبوته"انتهى.

نعم، لقد فرق الشيخ -رحمه الله- بين قتال الصحابة لأتباع المتنبئين الذي مناطه ما ذكره شيخ الإسلام من كونهم آمنوا بمسيلمة واعتقدوا نبوته، وبين قتال مانعي الزكاة -مثلًا- رغم أن الصحابة يرون كفر مانعي الزكاة، وإلى هذا يميل شيخ الإسلام، إلا أن هذا المناط ليس متفقًا عليه بين العلماء، وفي هذا يقول الشيخ أبو يحيى -رحمه الله- مفسرًا أن يُجعل تكفير الصحابة لأعيان الطائفة التي شهدوا لقتلاها بأنهم في النار -طبعًا يقصد مانعي الزكاة- راجعًا لمعرفتهم بحالها، وعليه، فالحكم بالكفر على أعيان الطوائف التي طرأت بعدهم ومنها أنصار الحكام المرتدين متوقف على معرفة أحوال هذه الطوائف وذلك يكون بالنظر لمواضع التكفير وشروطه وجودًا وعدمًا، وعليه، فيختلف الحكم فيها من طائفة إلى طائفة ومن مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان تبعًا لتغاير أحوالها، وعندها لا معنى لذكر إجماع الصحابة على تكفير أعيان أنصار أئمة الردة إذْ أن إجماعهم -وهنا محل الشاهد- إذْ أن إجماعهم في حقيقة الأمر إنما هو على كفر النوع لا على كفر العين، ثم أوكلوا تكفير أعيان هذه الطائفة المناصرة لما يعرف من حالها، وعليه، فلكل طائفة حالها الخاص الذي ينبي عليه معرفة حكمها?، والمقصود بمعرفة حالها: معرفة مدى وجود موانع التكفير من عدمها عند أفراد هذه الطائفة، ومدى انتشارها وشيوعها بينهم، وهذا لا يعني بالضرورة البحث والتنقيب عن هذه الموانع بل اعتبار ذلك بما هو شائع ظاهر منتشر بينهم، وبما هو معلوم ومُدرك من حالهم. انتهى

وقال الشيخ عقب ذكره لقول شيخ الإسلام في الخوارج:"فتأمل كيف امتنع الصحابة من تكفير هذه الطائفة الممتنعة ذات الشوكة -وهي الخوارج- ظاهرًا وباطنًا لما علموا عندها من موانع التكفير وهي تأويلهم في كل ما كانوا يرتكبونه من الفضائع العظيمة وهذا يبين ما ذكرناه من أن الطائفة الممتنعة على مكفر من المكفرات لا يُحكم بتكفير أفرادها إلا حيث علم عدم وجود موانع التكفير عندهم، أما تكفيرهم مع العلم بوجودها أو مع قوة الاحتمال الذي يمنع من تكفيرهم على الحقيقة فلا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت