ولهذا قال شيخ الإسلام في تكفير الخوارج وغيرهم:"وأما تكفيرهم وتخليدهم ففيه أيضًا للعلماء قولان مشهوران وهما روايتان عن أحمد، والقولان في الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم، والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يُعلم إنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضًا، وقد ذكرت دلائل ذلك في غير هذا الموضع، لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه"انتهى من (مجموع الفتاوى)
وتأمل كيف جعل كلًا من التكفير والتخليد في النار متوقفًا على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه"انتهى كلام الشيخ أبو يحيى."
ويقول -رحمه الله- أيضًا:"والخلاصة أن الحق الحقيق بالاتباع، البعيد عن الإحداث والابتداع أن كل طائفة ثبت عقد الإسلام لأفرادها بيقين فلا يجوز أن يحكم عليهم بالكفر لمجرد الاحتمالات، وحيث علم بوجود موانع التكفير في حقهم وجب إعمالها ظاهرًا وباطنًا فإن التفريق في إعمالها بين الظاهر والباطن قولٌ مُحدث مُبتدع، فكل من ثبت في حقه مانع من الموانع أو غلب على الظن وجوده بقي له حكم الإسلام إلى أن يزول المانع، ولا فرق في هذا بين الفرد المقدور عليه والممتنع وعدم وجوب تبين الشروط والموانع في حق الممتنع شيء وعدم إعمالها مع العلم بوجودها شيء آخر، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين"
وقال:"مما لا شك فيه أن هذه المسألة -أي مسألة حكم أنصار الطواغيت- من المسائل الجزئية الفرعية الاجتهادية"
وأخيرًا ختم الشيخ -رحمه الله- كتابه (النظرات) بخاتمة هذا الباب الذي نحن بصدده -أي حكم الفرد في الطائفة- فقال:"وإذْ ذلك كذلك فإن مسألة حكم أنصار الحكام المرتدين المعاصرين وهل هم كفار على التعيين، أم لا؟ تبقى في دائرة الاجتهاد الذي تختلف فيه الأنظار شريطة أن تكون مبنية على أدلة صحيحة واستدلال قويم، فالقدر المتفق عليه في حقهم أو الذي ينبغي أن يتفق عليه وألا يختلف فيه ابتداءً هو أن هؤلاء المناصرين للحكام المرتدين قد تلبسوا بمكفرات متعددة وامتنعوا عليها كمظاهرة الكفار على المسلمين واستحلال دماء وأموال المعصومين وحمايتهم لقوانين ودساتير الكافرين وغير ذلك مما هو معلوم من حالهم، فبعد هذا القدر المتفق عليه في حقهم من تبين له أن طائفة من هذه الطوائف الممتنعة في مكان من الأمكنة أو زمان من الأزمنة قد شاع بين أفرادها شيء من موانع التكفير المعتبرة فلا يجوز له والحالة هذه الإقدام على تكفير أعيانهم؛ وذلك لوجود المانع في حقهم، بل يبقى مستمسكا بأصل إسلامهم إلا من عُلِم حاله منهم، كما أن من علم أن بعض هذه الطوائف لم يعد عندها شيء من الموانع المعتبرة لا يحل له أن يتوقف عن تكفير أعيانها، والشهادة على القتلى بالنار ليكون حكمه عليهم شاملًا"