الصفحة 51 من 56

ثم ذكر شيخ الإسلام بعض الأدلة، ثم قال:"فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم على قولين مشهورين: في مذهب مالك وأحمد، وفي مذهب الشافعية أيضًا نزاع في كفرهم؛ ولهذا كان فيهم وجهان في مذهب أحمد وغيره، على طريقة الأولى أحدهما: أنهم بغاة، والثاني: أنهم كفار كالمرتدين يجوز قتلهم ابتداءً، وقتل أسيرهم واتّباع مدبرهم، ومن قُدِرَ عليه منهم استُتيب كالمرتد، فإن تاب وإلا قُتل".

وهكذا إلى أن قال شيخ الإسلام:"فكلام علي وغيره في الخوارج، يقتضي أنهم ليسوا كفارًا كالمرتدين عن أصل الإسلام، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره. وليسوا مع ذلك حكمهم كحكم أهل الجمل وصفين، بل هم نوعٌ ثالث؛ وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم".

وقال أيضًا:"وأبلغ الجهاد الواجب للكفار والممتنعين عن بعض الشرائع، كمانعي الزكاة والخوارج ونحوهم، يجب ابتداءً ودفعًا".

وقال أيضًا:"وأما الواحد المقدور عليه من الخوارج والرافضة، فقد روي عنهما -أي عن عمر وعلي- قتلهما أيضًا. والفقهاء إن تنازعوا في قتل الواحد المقدور عليه من هؤلاء، فلن يتنازعوا في وجوب قتلهم إذا كانوا ممتنعين؛ فإن القتال أوسع من القتل، كما يقاتل الصائلون العداة والمعتدون البغاة، وإن كان أحدهم إذا قُدِرَ عليه لم يعاقب إلا بما أمر الله ورسوله به". انتهى.

وقال أيضًا:"فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج، كالحرورية والرافضة ونحوهم، فهذا فيه قولان للفقهاء: هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم، كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم) ، وقال: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) ، وقال عمر لصبيغة بن عِسل: (لو وجدتك محلوقًا لضربت الذي فيه عيناك -أي: رأسه-."

ولأن عليًا بن أبي طالب -رضي الله عنه- طلب أن يقتل عبد الله بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه. ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض، فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل قتلوا، ولا يجب قتل كل واحدٍ منهم إذا لم يظهر هذا القول، أو كان في قتله مفسدةٌ راجحة؛ ولهذا ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل ذلك الخارجي ابتداءً، لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ولم يكن إذ ذاك فيه فسادٌ عام. ولهذا ترك عليٌ قتلهم أول ما ظهروا؛ لأنهم كانوا خلقًا كثيرًا، وكانوا داخلين في الطاعة والجماعة ظاهرًا، لم يحاربوا أهل الجماعة، ولم يكن يتبين له أنهم هم -أي: هم الخوارج-.

وأما تكفيرهم وتخليدهم، ففيه أيضًا للعلماء قولان مشهوران". طبعًا وقد ذكرنا هذا القول سابقًا، فأغنى عن إعادته ها هنا."

وقد يستغرب بعض إخواننا من كلام شيخ الإسلام عن الخوارج والرافضة معًا، وليس ذلك بغريب؛ إذ أنه كان يتحدث في سياق أن حديث: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت