قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وكل بشرٍ على وجه الأرض فلا بد له من أمرٍ ونهي، ولا بد له أن يأمرَ وينهى، حتى ولو كان وحده .. لكان يأمر نفسه وينهاها إما بمعروفٍ وإما بمنكرٍ، كما قال -تعالى-: {ِإنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف:53] ، وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماعٍ بعضهم ببعض، وإذا اجتمع اثنان فصاعدًا فلا بد أن يكون بينهما ائتمارٌ بأمرٍ وتَناهٍ عن أمرٍ، ولهذا كان أقلُّ الجماعة في الصلاة اثنين، كما قيل:"الاثنان فما فوق جماعة" [1] ."
وأما الأمور العادية ففي السنن أنه -صلى الله عليه وسلم- قال:"لا يحل لثلاثةٍ يكونون في سفرٍ إلا أَمَّروا أحدَهم عليهم" [2] .
ثم أوجب الله على المؤمنين السمعَ والطاعةَ لأمرائهم بالمعروف قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء 59] .. و"أولو الأمر"هم السلاطين والأمراءُ، وقال بعض المفسرين: هم أهل العلم والفقه.
والطاعةُ لا تكون إلا في المعروف، إذ لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق .. فقد ثبت في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزل قوله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء 59] في عبد الله بنِ حُذافةَ السهمي، بَعَثَه رسولُ اللهِ في سَرِيَّة.
وثبت في الصحيحين أيضًا في حديث الأعمش عن سعيد بن عبيدةَ عن أبي عبد الرحمن السُّلَّمي عن عليٍّ - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم:"لو يعلمُ الناس ما في الوَحْدة ما أعلم ما سار راكبٌ بليلٍ وحدَه"رواه البخاري.
وقال أيضًا - صلى الله عليه وسلم:"الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة رهْط" [3] .
فإذا كان هذا هو الأمر في عملٍ دنيويٍّ كالسفر .. فكيف بالسفر المعنوي كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل في سبيل الله والسعي للعمل والقيام بحقوق الناس، والجهاد في سبيل الله ففي كل هذه الأمور قد ينفرد الشيطان بالإنسان وحده.
وكلما ازداد عدد الجماعة كان فضح الشيطان أسهل وسد المنافذ عليه أيسر، فقد ورد في الحديث:"عليكم بالجماعة وإياكم والفرقةَ، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بُحْبُوْحَة الجنةَ فليلزمِ الجماعة" [4] .
قال ابن خويز منداد في أحكامه:"والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه؛ فواجب على العالم أن يُعين الناس بعلمه فيعلمَهم، ويعينهم الغنيُّ بماله، والشجاعُ بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة"المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذِمَّتِهم أدناهم وهم يدٌ على مَن سواهم".. ويجب الإعراض عن المتعدي وترك النصرة له وردُّه عما هو عليه .."
ولقد نقل القرطبي -رحمه الله- كلامًا لأحد وعَّاظ مصرَ عام 469 للهجرة، حيث نوَّهَ الواعظ كيف نال كلبُ أهلِ الكهف فضلَ ذكرِه في القرآن الكريم فقال:"إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم -كلبٌ أحب أهلَ الفضلِ وصَحِبَهم فذكره الله في محكم تنزيله".. ؛ ثم قال:"إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العالية بصحبة ومخالطة الصلحاء الأولياء حتى أخبر الله -تعالى-"
(1) 5 - رواه ابن ماجة بلفظ"اثنان فما فوقهما جماعة"، وقال الألباني: ضعيف"ضعيف ابن ماجة"، واستعمله البخاري ترجمةً، وأورد في الباب ما يؤدي معناه حيث روى بسنده إلى مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِذا حَضَرَت الصَّلاة فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا ثمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا.
(2) 6 - رواه أبو داود بلفظ:"إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ"، وقال الألباني: حسن صحيح"صحيح أبو داود"
(3) 7 - رواه الترمذي وأحمد ومالك، بلفظ:"الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ"، وقال الترمذي: حديث حسن.
(4) 8 - رواه الترمذي والنسائي وأحمد وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.