الصفحة 6 من 22

بذلك في كتابه -جل وعلا-، فما ظنك بالمؤمنين الموحّدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين، بل هذا تسليةٌ للمؤمنين المقصرين عن درجات الكمال [1] .

وقد استعمل رسول الله رجلًا من الأنصار على سرية، بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قال: فأغضبوه في شيءٍ، فقال: اجمعوا لي حطبًا فجمعوا، فقال: أوقدوا نارًا فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمرْكم رسولُ الله أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها. قال: فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله من النار. فسكن غضبه وطُفِئَت النار، فلما قدِموا على رسول الله ذكروا ذلك له فقال:"لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف" [2] .

(فإن قيل: فلو دخلوها دخلوها طاعةً لله ورسوله في ظنهم؛ فكانوا متأولين مخطئين فكيف يُخلَّدون فيها؟ قيل: لمّا كان إلقاءُ نفوسهم في النار معصيةً يكونون بها قاتلي أنفسِهم، فهمّوا بالمبادرة إليها من غير اجتهادٍ منهم: هل هو طاعةٌ وقربةٌ أو معصيةٌ؟ كانوا مُقْدِمين على ماهو محرمٌ عليهم ولا تَسُوْغُ طاعة ولي الأمر فيه؛ لأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، فكانت طاعة من أمرهم بدخول النار معصيةً لله ورسوله، فكانت هذه الطاعة هي سببَ العقوبة؛ لأنها نفس المعصية، فلو دخلوها لكانوا عصاةً لله ورسوله وإن كانوا مطيعين لولي الأمر، فلم تدفع طاعتهم لولي الأمر معصيتَهم لله ورسولِه، لأنهم قد علموا أن من قتل نفسه فهو مستحقٌ للوعيد، والله قد نهاهم عن قتل أنفسهم، فليس لهم أن يُقْدِموا على هذا النهي طاعةً لمن لا تجب طاعتُه إلا في المعروف، فإذا كان هذا حكمَ من عذبَ نفسَه طاعةً لولي الأمر، فكيف مَن عذَّب مسلمًا لا يجوز تعذيبُه طاعةً لولي الأمر [3] ؟)

فهي طاعةٌ تبغي أن تصيب هذا الصفاء، وتَنْسب صاحبها إلى هذه الزمرة الفائزة، من الإيمان تنطلق .. وبقواعده تسترشد .. وإليه تعود .. وليست هي استكانة خاضعٍ راهب، ولا تَمَلُّقَ طامعٍ مصلحي راغب، إنها طاعةٌ إسلاميةٌ مميزة ليست ككل طاعةٍ، يَعُدُّها الدعاة ركنًا في إيمانهم لا كمال له بدونها ويَعْتَرِيْه النقصُ بفقدانها.

قومٌ يرون الحقَّ نصرَ أميرهم *** ويرون طاعةَ أمرِه إيمانا

وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في صفة أول زمرةٍ تَلِجُ الجنة:"لا اختلاف بينهم ولا تباغضَ، قلوبُهم قلبٌ واحدٌ" [4] .

فإن طاعةَ الأمير من أوجب الواجبات التي فرضها الله على عباده .. كيف لا وهي رأس المال وأُسُّ البناء الذي تقوم عليه الجماعةُ المسلمة؟

بل لن تقوم قائمةٌ لأية جماعةٍ تعمل في سبيل الله إلا بالالتفاف حول قيادتها، وهذا الأمر - طاعة الأمير- من أكبر عوامل النصر؛ لذا غلّظ الشرع الحنيف في الخروج على ولاة الأمور بغير حق، وعَظَّم العقوبةَ على ذلك.

واقرأ حديثَ النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"من أطاعني فقد أطاع اللهَ ومن عصاني فقد عصى اللهَ، ومن يطعِ الأميرَ فقد أطاعني ومن يعصِ الأميرَ فقد عصاني" [5] .

(1) 9 - القرطبي.

(2) 10 - متفق عليه، واللفظ لمسلم.

(3) 11 - زاد المعاد

(4) 12 - متفق عليه.

(5) 13 - متفق عليه، واللفظ للبخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت