الصفحة 2 من 10

تلك الطوائف، وقد نالت النصوص المتعلقة بتوحيد الإلوهية - بمعناه الشامل المتضمن لتوحيد الحاكمية ومقتضياته من الولاء والبراء وغير ذلك - والمتعلقة بالجهاد والسياسة الشرعية؛ القسط الأوفر من هذا التعطيل والنبذ ... بل والاعتداء على العاملين بها.

وفي مجال استدلالهم على جواز تقديم"المصلحة"على النص الشرعي؛ يحتجون بأقوال لبعض أهل العلم في هذا الباب، من أشهرهم؛ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

ويمكن إجمال ما يستدل به أولئك في كلمة واحدة جامعة عنه، يقول فيها: ( ... القاعدة العامة؛ فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي - وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة - فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر؛ لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته) [المجموع: ج28/ص129] .

إن القارئ لهذا"القاعدة"يجد أنها تؤصل للطريقة التي تتعامل بها تلك الطوائف مع النصوص الشرعية، بل لو قارناها مع كلام منظري الفريق الأول - اللا ديني - لوجدناها تحمل ذات النفس.

فأي فرق بينها وبين قول"فيلسوف التشريع العلماني"- جون جيرمي بونتام - مثلًا: (يجب أن يكون سير الديانة؛ موافقا لمقتضى المنفعة) [1] ؟!

أو بينها وبين ما يُعرف في دين النصارى بـ"حق التّحلة"، الذي"يُبيح للكنيسة أن تخرج عن تعاليم الدين، وتتخلى عن الالتزام بها، متى اقتضت المصلحة ذلك" [2] .

إذ أن ملخص ما يستدلون به من كلام ابن تيمية رحمه الله يقول؛"ان للناس عمل ما يرونه أصلح لدنياهم وان خالفت أعمالهم نصوص الشرع"! وحينها فما فائدة الوحي الذي نؤمن - نحن المسلمون - أن جبريل عليه السلام نزل به على النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذا كان الصواب تقديم"المصلحة"عليه؟! وما قيمة تعاليم الأنبياء التي بلغوها عن الله عز وجل إلى الجنس البشري؛ إذا كانت نجاة وفلاح الإنسان في اتباع مصالحه التي يستطيع معرفتها بعقله المجرد؟!

ولمَ أمرنا الله عز وجل باتباع النصوص الشرعية، كما في قوله: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: 3] ، وحذر المعرضين عن اتباع نبيه صلى الله

(1) أصول الشرائع: ص307، عن مقال:"الشريعة والمصلحة بين شيخ الأزهر وجون جيرمي بونتام".

(2) معالم تاريخ الإنسانية: ج3/ص896، عن كتاب:"العلمانية، نشأتها وتطورها ...".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت