فأما الأول منهما: فمتعلق بأفعال الجوارح وهو ارتكابه للمحظورات، وإقدامه على المنكرات تحكيمًا للشهوة وانقيادًا للهوى، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة واستدامتها، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلا بعقد جديد.
وأما الثاني منهما: فمتعلق بالاعتقاد المتأول بشبهة تعترض فيتأول لها خلاف الحق، فقد اختلف العلماء فيها. فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها ويخرج بحدوثه منها لأنه لما استوى حكم الكفر بتأويل وغير تأويل وجب أن يستوي حال الفسق بتأويل وغير تأويل. وقال كثير من علماء البصرة: إنه لا يمنع من انعقاد الإمامة ولا يخرج به منها كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشهادة.
وأما ما طرأ على بدنه من نقص فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: نقص الحواس، والثاني: نقص الأعضاء، والثالث: نقص التصرف [1] . وهناك تفصيل لكل قسم من الأقسام الثلاثة ليس هذا موضع ذكرها لأنها ليست محل البحث ومخافة أن يطول المقام.
وقال العلائي [2] - رحمه الله - في (المجموع المُذْهَب في قواعد المذهب) :"الإمام الأعظم إذا طرأ فسقُه، فيه ثلاثة أوجُهٍ: أحدها: أنه ينعزل، وصححه في البيان. الثاني: لا ينعزل، وصححه كثيرون، لما في إبطال ولايتِه من اضطراب الأحوال. الثالث: إنْ أمكنَ استتابَتُه أو تقويمُ أَوَدِهِ، لَم يُخلع، وإنْ لَم يمكن ذلك، خُلِعَ" [3] .
وقال القاضي عياض - رحمه الله - لا تنعقد الإمامة لفاسق ابتداءً، وحكاه عن القاضي عياض النفيس العلوي [4] .
وكذلك ذكر الإمام القرطبي - رحمه الله - في تفسير قول الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ {الحجرات: (6) } "فبعد أن ذكر عدة
(1) - الأحكام السلطانية ص: 31
(2) - هو خليل بن كيكلدي بن عبدالله العلائي الدمشقي، كان إمامًا حافظًا
(3) - العواصم والقواصم لليماني 8\ 15
(4) - شرح صحيح مسلم 12\ 229.