كان من قيم العرب قديمًا العيش بحرية وعزة وكرامة، وبذلوا النفوس رخيصة في سبيل هذه القيم، ولم يعدلوا عنها بشيء مهما كان الثمن، وهذا واضح متجل في شعرهم:
لا تسقني ماء الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم ... وجهنم بالعز أطيب منزل
وعندما جاء الإسلام زاد هذه القيم تعظيمًا ودعى إلى التمسك بها، ويحض الإسلام المسلمين على عدم قبول الدنية في دينهم وعلى دفع الظلم وإزالته.
فالواضح الجلي من النقول التي ذكرت في هذا البحث حول حكم الخروج على الحاكم الجائر، أن أهل والسنة والجماعة قد ذهبوا إلى مذهبين، الأول: يقول بعدم الخروج على الحاكم الجائر إلا إذا كفر. والثاني: يقول بالخروج على الحاكم الجائر لظلمه وفسقه.
وقد ذكرت في هذا البحث آنفًا الأدلة التي استدل به أهل المذهبين، وكنت شديد الحرص على نقل أكثر عدد ممكن من أقوال العلماء لتعطى هذه المسألة الحساسة حقها في البحث، وليكون الترجيح بين القولين مبنيًا على مستوى عال من الوضوح، ومستندًا إلى الأدلة الشرعية وآراء جهابذة العلماء من السلف والخلف.
بعد ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة ومنافشة أدلة كل من المذهبين، فالمذهب الراجح والله أعلم هو المذهب القائل بالخروج على الحاكم الجائر، لقوة استدلال أهل هذا المذهب ورجحان أدلتهم. ولأن القول بالخروج يتماشى مع مقاصد الشريعة ويوافق روح دين الإسلام، لأنه دين الحرية والعزة والكرامة، وقد جاء لنشر الحرية وتحرير الناس من الأستعباد، وترسيخ العدل وإرجاع الحقوق لأهلها. وكذلك دعى الإسلام إلى رفض الظلم ومحاربة الظالمين وكفهم عن ظلمهم، وقد حرم الله الظلم على نفسه وجعله محرمًا بين عباده كما في الحديث القدسي، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله،