تبارك وتعالى أنه قال:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ..." [1] . وهناك آيات وأحاديث كثيرة تحض على الآخذ على آيدي الظالمين ونفي العهد عنهم ونذكر منها: قول الله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ {البقرة: (124) } . وفي هذه الآية قد نفى الله تعالى العهد عن الظالمين، فكيف نعطيهم العهد وندعوا إلى طاعتهم.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخوف ما يتخوف على أمته الأئمة المضلين، فكيف لا يكون من شريعته ما يدعي إلى إزالة ما يخاف على أمته منه؟ قال صلى الله عليه وسلم:"إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين: خرجه الترمذي، وقال:"وإنما أتخوف على أمتي أئمة مضلين"خرجه أحمد أبو داود وابن ماجة، وقال:"أشد الناس عذابا يوم القيامة، رجل قتله نبي، أو قتل نبيا، وإمام ضلالة". خرجه أحمد"
وقد قال أبي بكرالصديق رضي الله عنه بعد أن بايعه الناسُ بالخلافة، مبيّنا سنة هذه الأمة في تحقيق العدل وترسيخه، وإزالة الظلم والطغيان:"أما بعد، أَيُّها الناس فَإِني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإِن أَحسنت فَأَعينوني وإِن أَسأْت فَقوموني. الصدق أمانةٌ والكذب خيانة. والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع إليه حقه إن شاء اللّه، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء اللّه. لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللّه إلا خذلهم اللَّه بالذل ولا تَشيع الفاحشةُ في قوم إلا عمهم اللَّه بالبلاء. أَطيعوني ما أَطعت اللَّه ورسوله فإِذا عصيت اللّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم." [2] . رضي الله عنه رضًا واسعًا، لقد قال وأوجز، وحدد سياسته الشرعية في كلمات قليلة تدل على حدود طاعته التي قيدها بطاعة الله ورسوله.
ومن الأسباب التي ترجح المذهب القائل بالخروج على الحاكم الجائر:
-أن النصوص المحكمة من الكتاب والسنة في وجوب طاعة أولي الأمر والصبر عليهم والدعاء لهم، تتعلق بأئمة العدل لا بأئمة الجور، فقد يستساغ الصبر على إمام يُؤثر نفسه بشيء من الأمور الدنيوية الخاصة (أو يفسق على نفسه) وهو مقيم للدين، حاكمًا بالشرع، لا يظلم الناس ولا يأكل أموالهم ويهدر دمائهم
(1) صحيح مسلم باب تحريم الظلم رقم 6737.
(2) - سيرة ابن هشام 4\ 240.