الصفحة 33 من 45

وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {المائدة: (2) } . ولا يجوز تضييع شيء من واجبات الشرائع. وبالله التوفيق" [1] . انتهى كلام ابن حزم - رحمه الله -."

والواضح الجلي من كلام ابن حزم (لله دره من عالم جهبذ) جواز الخروج على الحاكم الجائر وقتاله. وقد كان استدلاله قوياُ جدًا بقول أن السلطان قد يكون الطائفة الباغية التي يجب قتالها حتى تفيء لأمر الله، لأن الله تعالى قد أمر بقتال الطائفة الباغية وقد علق الحكم على وصف البغي، وهو دليل بيّن على أن السلطة إن تحقق فيها هذا الوصف، يجب أن تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله. والسلطة المنتمي لها البغاة، فهي طائفة باغية بدون شك داخلة في عموم الآية، فالواجب قتالها امتثالًا لأمر الله كما هو بين واضح جلي من ظاهر القرآن.

وأما الذين قالوا إن قول الله تعالى: (فإنْ بَغَتْ إِحْداهما عَلىَ الأُخْرَى فقَاتِلُوا التي تبْغي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ) يدل على وجوب قتال الباغين من غير السلطة حتى يرجعوا إلى أمر الله وحكم الشرع، ألا يدل كذلك على قتال السلطة الباغية للغاية نفسها، هي الرجوع إلى أمر الله وحكم الشرع؟ ومن المسلمات أن بغي السلطة أشد ضررًا، وأكثر فسادًا.

قال الحافظ ابن حجر في ترجمة الحسن بن صالح بن حي رحمه الله:"وقولهم: كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه". [2]

فهذا ابن حجر - رحمه الله - يصرح بأن الخروج هو مذهب السلف قديمًا، ومما لا شك فيه أن السلف قالوا بالخروج مستندين إلى دليل من الكتاب أو السنة، وهم أكثر الناس اتباعًا للسنة. فبأي دليل تغير مذهب السلف، إذا كان بالإجماع، فالإجماع مشكوك فيه بعد الصحابة، وإذا كان بالمصالح والمفاسد، فهذه مسألة نسبية تختلف من شخص لأخر. وبهذا يكون القول بالخروج على الحاكم الجائر من مذهب أهل السنة والجماعة ولا يعتبر قولًا شاذًا او من أقوال الخوارج.

(1) - الفصل في الملل والأهواء والنحل 3\ 100 - 106. طبعة الكتب العلمية.

(2) - التهذيب 2\ 288.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت