الصفحة 4 من 45

الحاكم الظالم المبدل لشرع الله وغلاظ أشداء مع المخالفين يصفونهم بأقذع الأوصاف. فعظم شأن هؤلاء العلماء، فأصبح ديدنهم الذب عن السلاطين المبدلين لشرع الله وأضفاء الشرعية على ولايتهم، حتى وصل الأمر عند هؤلاء العلماء أن جعلوا الخروج على الحاكم إذا كفر مسألة فيها نظر وتتعلق بالمصالح والمفاسد، ثم جعلوا القدرة شرط صحة لا يجوز الخروج إلا إذا تحققت، وادعوا الإجماع عند أهل السنة والجماعة على عدم الخروج على الحاكم إذا جار. ثم قالوا أن الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله المبدل لشرع الله ليس بكافر ليدخلوه في خانة الحاكم الجائر أو المبتدع، لينازعوا المخالف في مسألة الخروج عليه. فمن أهم مبررات علماء السلاطين بالقول بعدم الخروج على حكام عصرنا أنهم حكام جور، والخروج قد يؤدي إلى مفسدة ويؤثر على مصلحة الدعوة، ويصفون المخالف الذي يقول بالخروج على هؤلاء الحكام بالجهل والحماس والثورية والإنشائية. فواعجباه، أهم أكثر علمًا بمصلحة الدعوة وعندهم حكمة أكثر من السلف الذين كانوا يرفضون تولي القضاء عند الحاكم الذي يحكم بالشرع لظلمه. ويصدعون بالحق ولا يثنيهم عن قول الحق السجن والتعذيب، فلا يقولوا مصلحة الدعوة تثنينا عن قول الحق. أفعلماء هذا الزمان أعلم أما أخلص أما أفهم من علماء السلف، فليجيبوا. فما أظن علماء عصرنا إلا مداهنون للحكام جبناء في قول الحق إلا من رحم ربي ممن ينتمي للطائفة المنصورة. فليقرؤا سيرة الإمام النابلسي [1] الذي سلخ جلده حيًا ليعود عن قول الحق فما فعل. فوقف - رحمه الله - في وجه الحاكم العبيدي وقال الحق، وهذه قصته نسردها لعل عباد مصلحة الدعوة يعودوا لعبادة الله. قال الذهبي في ترجمة أبي بكر النابلسي: قال أبو ذر الحافظ: سجنه بنو عُبيد، وصلبوه على السنة، سمعت الدارقطنَّي يذكره ويبكي، ويقول كان يقول، وهويُسلخ: {كَانَ ذَلَكَ فِي الكِتَابِ مَسْطُورًا} .

قال أبو الفرج بن الجوزي: أقام جوهر القائد لأبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي، وكان ينزل الأكواخ فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم، وجب أن يرميَ في الروم سهمًا، وفينا تسعة. قال: ما قلت هذا، بل قلت: إذا كان معه عشرةُ أسهم، وجب أن يرميكم بتسعة، وأن يرمي العاشر ... فيكم أيضًا؛ فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم نور الإلهية، فشهَره ثم ضربه ثم أمر

(1) -هو محمد بن أحمد بن سهل بن نصر، أبو بكر الرملي الشهيد المعروف بابن النابلسي، كان إمام في الحديث والفقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت