فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 316

فصل: في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في علاج الأبدان بما اعتادته من الأدوية والأغذية، دون ما لم تَعْتَدْه

هذا أصلٌ عظيمٌ من أُصول العِلاج، وأنفعُ شىء فيه، وإذا أخطأه الطبيبُ، أضرَّ المريضَ من حيثُ يظن أنه ينفعه، ولا يَعْدِلُ عنه إلى ما يجدهُ من الأدوية في كُتب الطب إلا طبيب جاهل، فإن ملاءمةَ الأدوية والأغذية للأبدان بحسب استعدادها وقبولها، وهؤلاء أهل البوادى والأكارُون وغيرُهم لا ينجَعُ فيهم شراب اللينوفر والوردِ الطَرِّى ولا المغلى، ولا يُؤثر في طباعهم شيئًا، بل عامةُ أدوية أهلِ الحَضَر وأهل الرَّفاهيةَ لا تجدى عليهم، والتجربة شاهدة بذلك،ومَن تأمل ما ذكرناه من العلاج النبوىِّ، رآه كُلَّه موافقًا لعادةِ العليل وأرضه، وما نشأ عليه. فهذا أصلٌ عظيمٌ من أُصول العلاج يجب الاعتناءُ به، وقد صرَّح به أفاضلُ أهل الطب حتى قال طبيبُ العرب بل أطَبُّهم الحارثُ ابن كَلَدَةَ، وكان فيهم كأبقراط في قومه: الحِميةُ رأس الدواء، والمَعِدةُ بيتُ الداء؛ وعوِّدُوا كُلَّ بدنٍ ما اعْتَاد. وفى لفظ عنه: الأزْمُ دَوَاءٌ، والأزم: الإمساكُ عن الأكل يَعنى به الجوع، وهو من أكبر الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائية كلِّها بحيثُ إنه أفضلُ في عِلاجها من المستفرغات إذا لم يُخَفْ من كثرة الامتلاء، وهَيَجانِ الأخلاط، وحِدَّتها وغليانها.

وقوله:"المَعِدَةُ بيتُ الداء". المَعِدَةُ: عضو عصبىٌ مجوَّفٌ كالقَرْعَةِ في شكلها، مُركَّبٌ من ثلاث طبقات، مؤلَّفةٍ من شظايا دقيقةٍ عصبية تُسمى اللِّيفَ، ويُحيط بها لحم، وليفُ إحدى الطبقات بالطول، والأُخرى بالعَرْض، والثالثةِ بالوَرْب، وفمُ المَعِدَة أكثر عصبًا، وقعرُها أكثر لحمًا، في باطنها خَمْل، وهى محصورة في وسط البطن، وأميَلُ إلى الجانب الأيمن قليلًا، خُلِقَتْ على هذه الصفة لحكمةٍ لطيفة من الخالق الحكيم سبحانه، وهى بيتُ الداء، وكانت مَحَلًا للهضم الأول، وفيها يَنضَجُ الغذاء وينحدِرُ منها بعد ذلك إلى الكَبِد والأمعاء، ويتخلَّف منه فيها فضلاتٌ قد عجزت القوةُ الهاضمة عن تمام هضمها، إما لكثرةِ الغذاء، أو لرداءته، أو لسوءِ ترتيبٍ في استعماله، أو لمجموع ذلك، وهذه الأشياء بعضُها مما لا يتخلَّص الإنسان منه غالبًا، فتكونُ المَعِدَة بيت الداء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت