فهرس الكتاب

الصفحة 1639 من 5354

فَهَذَا أَمْرٌ بِقَبُولِهَا وَأَمْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَرْضٌ فَهِيَ رُخْصَةٌ مُفْتَرَضَةٌ؛ وَصَحَّ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَسْقَطَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَنِصْفَ الصَّلَاةِ وَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ لَمْ يَأْتِ شَيْءٌ يُعَارِضُهَا فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ مَانِعَةٌ كُلُّهَا بِعُمُومِهَا مِنْ كُلِّ صَوْمٍ فِي السَّفَرِ وَأَنْتُمْ تُبِيحُونَ فِيهِ كُلَّ صَوْمٍ إلَّا رَمَضَانَ وَحْدَهُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، لِأَنَّ النُّصُوصَ جَاءَتْ بِمِثْلِ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] فَافْتَرَضَ تَعَالَى صَوْمَ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي السَّفَرِ وَلَا بُدَّ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَضِّ عَلَى صَوْمِ عَرَفَةَ مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ فِي السَّفَرِ لِمَنْ كَانَ حَاجًّا. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إنَّ أَفْضَلَ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُد يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» فَعَمَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَلَمْ يَخُصَّ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ النَّارَ عَنْ وَجْهِهِ» فَحَضَّ عَلَى الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ. فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِجَمِيعِ النُّصُوصِ فَخَرَجَ صَوْمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ بِالْمَنْعِ وَحْدَهُ وَبَقِيَ سَائِرُ الصَّوْمِ وَاجِبُهُ وَتَطَوُّعُهُ عَلَى جَوَازِهِ فِي السَّفَرِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ نَصٍّ لِآخَرَ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالْجُرْأَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْبَاطِلِ فِي الدِّينِ: مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» مِثْلُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ» . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا تَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَكَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَقْوِيلٌ لَهُ مَا لَمْ يَقُلْ، وَفَاعِلُ هَذَا يَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ بِنَصِّ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَلَيْسَ إذَا وُجِدَ نَصٌّ قَدْ جَاءَ نَصٌّ آخَرُ أَوْ إجْمَاعٌ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَجَبَ أَنْ تَبْطُلَ جَمِيعُ النُّصُوصِ وَتَخْرُجَ عَنْ ظَوَاهِرِهَا فَيَحْصُلُ مِنْ فِعْلِ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْقَرَامِطَةِ فِي إحَالَةِ الْقُرْآنِ عَنْ مَفْهُومِهِ وَظَاهِرِهِ، وَمَنْ بَلَغَ إلَى هَاهُنَا فَقَدْ كَفَى خَصْمَهُ مُؤْنَتَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت