إنّ سرعةَ الأرضِ آيةٌ عظيمةٌ غَفَل عنها كثيرٌ منَ الناسِ، وأعرضوا عن التأمُّلِ فيها، فهذه الأرضُ تدورُ حولَ نفسِها بسرعةٍ تبلغُ في خطِّ الاستواءِ 1600 كيلومتر في الساعةِ، وهذه الأرضُ تدورُ حولَ الشمسِ بسرعةٍ قَدَّرها العلماءُ بثلاثينَ كيلومترًا في الثانيةِ الواحدةِ، فلها حركةٌ حول نفسِها، وحركةٌ حول الشمسِ، ومع ذلك فإنّ الأرضَ مستقرةٌ استقرارًا تامًا، بدليلِ أنه لو اهتزَّتْ قيدَ أَنْمُلَةٍ لتصدَّعتِ الأبنيةُ، ولانهارت، {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَارًا} ، مَن الذي يَملكُ أنْ يجعلَها مستقرةً؟ أتملكون أنتم أيها العبادُ الضعفاءُ أنْ تجعلوها مستقرةً؟ حينما اهتزتْ في بعضِ البلادِ أصبحتْ مدينةٌ مِن مدُنِها قاعًا صفصفًا، فلِمَ لمْ تقدروا على دفعها؟ أو تُبقُوا على استقرارها؟ {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [الحجر: 74] .
ماذا فعلتم؟ هل تملكون دفْعَ اهتزازِها؟ أو جَلْبَ استقرارِها؟ {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَارًا} ، فهذا البيتُ الذي تدفعُ ثمنَه عشراتِ الملايين في بعضِ الأحياء الراقيةِ، ما قيمتُه لو اهتزَّتِ الأرضُ قليلًا، وتصدَّع البناءُ، وهذه الثروةُ التي تملكُها، لو اشتريتَ بها بيوتًا، واهتزَّتِ الأرضُ هزًا يسيرًا فتصدَّعتْ، ماذا تفعل؟ {أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَارًا} ، اركبْ طائرةً، وانظرْ إلى طرَفِ الجناحيْنِ، إنهما يهتزان يمنةً ويسرةً، فهل يستطيعُ الإنسانُ أنْ يصنعَ مركبةً لا تهتز أبدًا، إنه استقرارٌ تامٌّ، يمضي على البناءِ مئةُ عامٍ، ومئتان، بل القرونُ، ويبقى كما هوَ، لا تجدُ له تحويلًا، ولا تغييرًا، وهذا دليلٌ على أنّ الأرضَ مستقرةٌ.
يقولُ ربُّنا سبحانه وتعالى: {وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88] .
إذا كانت الجبالُ تمرُّ مرَّ السحابِ، فإنّ الأرضَ تدورُ، وهذه إشارةٌ لطيفةٌ في كتابِ اللهِ عزَّ وجل إلى دورةِ الأرضِ حَوْلَ نفسِها.