فهرس الكتاب
كما أن الطلاق ظاهرة عامة وموجودة في كل المجتمعات وبنسب متفاوتة وهو أمر عرفته البشرية من قديم الزمان، وكانت له طرق وأشكال تختلف من بيئة إلى بيئة، ومن عصر إلى عصر، وقد أقرته جميع الأديان كلٌ بطريقته، كما عرفته عرب الجاهلية لأنه كان شريعة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام-، ففي حديث البخاري أن سيدنا إبراهيم -عليه السلام- قال لزوجة ولده إسماعيل التي شكت حاله قولي له: يغير عتبة داره، ففهم إسماعيل من ذلك أنه ينصحه بطلاقها، فطلقها [1] .
وعندما جاء الإسلام كان امتدادًا لدين إبراهيم كما قال الله تعالى: ?ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا? [2] . فأقر الإسلام الطلاق ونظمه تنظيمًا دقيقًا مراعيًا في ذلك استقرار الأسرة وسعادتها من ناحية وحفظ كيان المجتمع البشري بأكمله من ناحية أخرى، يقول الله تعالى: ?الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان? [3] .
ولو وضع الإسلام أو المشرع قانونًا يُحرم الطلاق لصاح الناس: هذا ظلم مبين، وهذا ما فطن إليه الفيلسوف الإنجليزي {بنتام} في كتابه"أصول الشرائع"، فقال: {لو ألزم القانون الزوجين بالبقاء -على ما بينهما من جفاء- لأكلت الضغينة قلوبهما، وكاد كلٌ منهما للآخر، وسعى إلى الخلاص منه بأية وسيلة ممكنة، وقد يهمل أحدهم صاحبه، ويلتمس متعة الحياة عند غيره، ولو أن أحد الزوجين اشترط على الآخر عند عقد الزواج ألا يفارقه، ولو حل بينهما الكراهية والخصام محل الحب والوئام لكان ذلك أمرًا منكرًا مخالفًا للفطرة ومجافيًا للحكمة، وإذا جاز وقوع هذا بين شابين متحابين، غمرهما شعور الشباب فظنا ألا افتراق بعد اجتماع، ولا كراهة بعد محبة، فإنه لا ينبغي اعتباره من مشرع خير الطباع، ولو وضع المشرع قانونًا يُحرم فض الشركات ويمنع رفع ولاية الأوصياء، وعزل الشركاء ومفارقة الرفقاء، لصاح الناس: هذا ظلم مبين. وإذا كان وقوع النفرة، واستحكام الشقاق والعداء ليس بعيد الوقوع فأي الأمرين خير ؟ أربط الزوجين بحبلٍ متين، لتأكل الضغينة قلوبهما، ويكيد كلٌ منهما للآخر؟ أم حل ما بينهما من رباط وتمكين كلٌ منهما من بناء بيت جديد، على دعائم قويمة، أو ليس استبدال زوج بآخر خير من ضم خليلة إلى امرأة مهملة، أو عشيق إلى زوج بغيض ؟} [4] .
والحقيقة أن الإسلام كره الطلاق ونفَّر منه والرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: {ما أحل الله شيئًا أبغض إليه من الطلاق} [5] ، واعتبر الحياة الزوجية لها قدسية خاصة لابد من احترامها، وأن هدمها ليس بالأمر السهل، فهي ميثاق غليظ ينبغي عدم نقضه بسهولة، والقرآن الكريم يقول فيه: ?وأخذنا منكم ميثاقًا غليظًا? [6] .
وقد ذكر {الكاساني} في"بدائع الصنائع"أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: {تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن} [7]
وهذا دليل على أن الإسلام صان قداسة الزوجية من العبث بها، لما يترتب على ذلك من أضرار تقع على الأسرة وعلى المجتمع الإسلامي بأكمله، فوضع العقبات في طريق الطلاق ليمنع وقوعه أو يؤخره، وحبَّذ التريث في معالجة ما ينشب بين الرجل وامرأته لعل الأمور تعود إلى طبيعتها وهذا ما أوضحته آية الطلاق: ?لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا? [8] ، وذلك لآن الطلاق هو موقف مؤقت لعلاقة