فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 16935 من 35630

البعض يقول إن الخلافات الزوجية شائعة لدرجة أنها تكاد تكون أمرًا عاديًا, والبعض الآخر يقول لا بد من الخلافات الزوجية لأنها مثل ملح الطعام, والبعض الثالث مختلف تمامًا يقول إن تراكم مثل تلك المشاحنات يؤدي في النهاية إلى بئس المصير, وأنه يحفر في القلب وفي الذاكرة ما لا تحمد عقباه. وتمتلئ صفحات الصحف والمجلات برؤى معالجي القلوب وحلالي المشاكل, نقرأ عن قتل الأزواج, وعن قتل الزوجات, وعن قتل رجل لزوجته وأطفاله الأربعة بما يفوق أفظع مشاهد الرعب في السينما, وعن العنف الأسري الشرس والقبيح. يصل الأمرإلى الشرطة بسبب محاولة الزوجة الاستمتاع بمشاعر مطربها المفضل لأنها لا تجد رومانسية أو عاطفة في عش الزوجية,غير أن الرجل الشرقي يغار وينتهي الأمر إلى الشرطة, ويتهم البعض الزوجات بأنهن (فالصو) أو أنهن مصابات بـ (لوثة عقلية) , دون التمعن في الظروف والأسباب التي أدت وتؤدى إلى ما آل إليه الأمر! إن الحياة اليومية مليئة بالمنفرات والمزعجات, والرجل أحيانًا يكون مضغوطًا عليه في عمله, فيسقط أحزانه وربما اضطهاده على البيت, الزوجة الآن تعمل, تتعرض أيضًا للتحرش سواء كان ذلك في العمل أو في الشارع. يصب كل هذا في الدور النمطي الذي رسمه المجتمع للزوج والزوجة, بمعنى أن الواقع يكون في أغلب الأحيان غير المتوقع, من ثم فإن استمرار الزواج لا يعني النجاح, وأن الحفاظ على البيت والأولاد لا يعني السعادة.

إن أمور العائلة, الصداقات, المال, الجنس, تشكل بذور الخلاف الزوجي, الذي يصل بزوجة إلى الإصابة بما قد يصطلح عليه (الكحة العصبية) التي لا تشفى بأي دواء, لكن بالانتقال من سرير الزوجية. وهناك الزوج الذي لا يدري من أمر زوجته سوى جسدها, يغير عليها غيرة حمقاء, وهناك الزوجة المتسلطة التي تقهر زوجها ليل نهار, وهناك من تمنع الحب لتكسر أنفه وتذله فيهوى إلى دنيا أخرى من الليالي الحمراء أو الزواج المؤقت.

قالت زوجة إنها صحت من نومها في هدأة الليل لتذهب إلى دورة المياه, ولما عادت انتبهت إلى وجه زوجها وهو نائم, دار في ذهنها سؤال قاس وملح: (من هو هذا الغريب) , زادت نسبة البرامج التلفزيونية والإذاعية التي تناقش حكايا الناس المختلفة. لكن يبدو أن هناك خطًا أحمر لا يريد أي من الطرفين الاقتراب منه, ويبدو أننا ـ في أغلب الأحيان ـ نتحدث في القشور, وفي ظواهر الأمور, دون لبها ودون الغوص في أعماقها, ومن ثم فلا بأس من الحديث, لكن ما العمل?

يتضح مما لا شك فيه أن الخلافات الزوجية قد ازدادت بشكل يصعب التعامل معه, وأن نسبة الطلاق عالميًا ومحليًا في ازدياد. إذن ما السر وما هي الأسباب? هل على الزوجين فعلًا, كما قال رجل محبط زوجيًا, أن يدير كل منهما ظهره للاخر, كالجند في الحراسة لكي يريا من أين يجيء الخطر ومن ثم يهاجمانه? أم يواجه كل منهما الاخر ليريا أيضًا من كل الجهات وذلك يحمل أيضًا ضرورة النظر في العينين, رؤية ملامح وقسمات وتعبيرات الوجه? ما هي الحكاية إذن? وهل من سبيل للتخفيف منها, إن لم يكن تفاديها? هل ذلك ممكن? أعتقد ذلك, وأملك هنا على هذه الصفحات حق التفاؤل, مجرد التفاؤل, وبعض الأفكار والآراء فقط, لا للنصائح, لا للوعظ والإرشاد ولا لتنصيب النفس حكمًا في أمور يدركها أهل البيت حينما تغلق عليهم الأبواب.

إذن فلنر ولنبدأ بحكاية الصياد والسمك وشباك الصيد.

انتهى أحد العلماء المتخصصين في شئون الزواج إلى أن (الزواج) مثل (شباك الصياد) , فالصيادون يرمون بشباكهم إلى البحر كل يوم, يصيدون السمك ويتوجهون إلى الأسواق لبيعه.

هناك صياد يأخذ السمك من الشباك كل يوم, لكنه يترك خلفه النفايات والطحالب وكل ما يجلبه البحر مع السمك, تتراكم كل تلك البقايا في الشباك لدرجة يصبح معها الصياد عاجزًا عن إنزال الشباك من القارب إلى البر, فجأة, وفي نوبة غضب, يمزق الشباك, يمضي إلى بيته خالي الوفاض, ومن ثم يعجز عن صيد أسماك أخرى, وينتظر فرج الله حتى يشتري شباكًا جديدة?

وهناك ـ أيضًا ـ صياد آخر, ينظف شباكه كل يوم, يأخذ منها السمك لبيعه, في كل مرة يحرص على أن تبقى شباكه نظيفة وفي حالة جيدة, ومن ثم فهو قادر في كل مرة يطرح فيها تلك الشباك على اصطياد أسماك جديدة وعلى بيعها, ومن ثم يضمن الرزق للعيش هو وأسرته.

إذا ما جازت المقارنة هنا, فإن تلك الاحتياجات العاطفية (الوجدانية) الزوجية التي تشبه تلك الأسماك, بينما تبقى النفايات والطحالب مكاره الزواج ومعوقاته, هي تلك العادات غير الطيبة والتي تتسبب في عدم السعادة ـ إن لم نقل (التعاسة) . مثلًا, نوبات الغضب, الحكم على الطرف الآخر بشكل مهين, السلوك المزعج, الطلبات الأنانية وعدم الصدق والأمانة, إذا تجمع كل ذلك مع مرور الوقت فإن عبء حمله وتحمله سيفوق قدرة أي طرف, وسيدمر أي رغبة في تحقيق التصالح والتعاطف, وهنا قد يحدث الصمت المفزع, ثم الطلاق العاطفي, أو الهروب إلى العمل ساعات طويلة أو إدمان أي شيء, ثم الانفصال أو الطلاق الفعلي.

وهذا تحديدًا هو موقف الصياد الأول الذي خسر شباكه ومزقها, خسر رزقه وانتظام حياته, أما الصياد الثاني الذي يخلص شباكه كل يوم من شوائبها, ويبقيها نظيفة فإنه كالزوج أو الزوجة التي تحرص على إزالة العقبات أمام أي فرصة لتحقيق التناغم ما دام ذلك بالإمكان.

أهم الاحتياجات العاطفية

ولا أعني بالعاطفية هنا كلمات الحب والغرام, لكن أعني تحديدًا الود والرحمة, الاحتياجات الوجدانية والإنسانية بين الزوجين.

الاحتياج العاطفي هو نوع من الشوق, والاحتياج إذا ما أشبع خلف وراءه سعادة جمة, سلامًا وطمأنينة, وإذا لم يشبع فسيترك شعورا بالتعاسة والإحباط, إذا أحصينا الاحتياجات العاطفية فلسوف نجدها ـ ربما ـ بالآلاف, تتراوح ما بين حفل ندعو فيه الأصدقاء إلى سندويتش طعمية من يدي الزوج أو الزوجة الحلوة, ربما كوب ماء يروي الظمأ, أو كوب شاي يعدل المزاج, وقد يكون مشاركة لمشاهدة برنامج تلفزيوني مفضل (معا) , بالطبع تختلف هذه الاحتياجات وتلك طبقًا لمفهوم كل من الزوجين, ثقافتهما, وعيهما, انتمائهما, تحديدًا تطلعاتهما, إمكاناتهما وتوجهاتهما, بشكل محدد هناك احتياجات عاطفية معينة, إذا ما أشبعت تحقق الحب وعمّت السعادة النفس وتوهجت بها الروح, وانتشى بها القلب. أهم تلك الاحتياجات العاطفية تشكل تلك اللبنة الأساسية اللازمة لبعث الدفء في أوصال عش الزوجية. لنتخيل معا أن زوجًا وزوجة يقرآن الآن هذه الدراسة, وإنهما يحتاجان إلى مشورة أو مساعدة تخص علاقة كل منهما بالآخر. إذن, فلنحاول معا أن نحدد ما هي أهم الاحتياجات العاطفية (الوجدانية) لكل منهما.

بمعنى ماذا يمكن أن يفعل كل منهما للآخر لكي يجعله سعيدًا وفرحًا? إذا عرفنا ذلك, ربما, نستطيع أن ندرك كيف يمكن تحقيقه, سؤال مهم ومحرج! ترى كيف يحب كل منهما الآخر? هل برومانسية عبد الحليم حافظ (برغم أنها قد تكون مطلوبة أحيانًا) , وهل بغرام الخطبة ووهجها ـ هل هذا ممكن? ـ هل هو حب عملي فعلي متماسك?. إذا سألنا القارئ والقارئة, الزوج والزوجة, الآن عن أهم عشرة احتياجات عاطفية, فربما قال كل منهما (الإعجاب والتقدير, الحنان, الحوار مع الطرف الآخر, المساعدة في المنزل) , (ليس بمعنى غسل الصحون فقط, وإنما المشاركة في هموم البيت والأولاد مثلًا) , التعهد العائلي بـ (المسئولية الكاملة للأسرة, الدعم المادي, النزاهة والصراحة, الجاذبية, المشاركة في النشاطات الترفيهية, الإشباع الجسدي) . من دون ادعاء بأننا سنقرأ أفكار القراء المتزوجين, لكن على ما يبدو أن ثمة سرًا يقبع خلف خلافات الأزواج, بمعنى أننا على وشك أن نفهم لماذا من الصعب على الأزواج والزوجات إشباع حاجات الطرف الآخر, أو تلبية متطلبات وحاجيات كل منهما? غالبًا أن كلا من الزوج والزوجة يذكر نفس الاحتياجات العاطفية (الوجدانية) لكن بترتيب مختلف تمامًا, أو معكوس تماما,ً أي أن أهم خمسة احتياجات للرجل هي أقل خمسة احتياجات للمرأة, والعكس ـ بالطبع ـ صحيح. وهنا ـ هنا فقط ـ نكتشف أن الرجل والمرأة لم يختلفا, ولكنهما يفقدان تلك القدرة السحرية على الإحساس بالآخر, على التعاطف. إن كلا منهما, ربما حاول قدر جهده القيام بواجباته, لكن تلك الجهود غالبًا ما كانت (غير موجهة) , أو (في الاتجاه العكسي) فالذي توده الزوجة أكثر لا يوليه الزوج أي اهتمام وهكذا. وبالطبع, فإن كل إنسان مختلف ومتفرد وله خصوصياته, بمعنى أنه ربما نجد معظم الرجال يشتركون في أولوياتهم وهكذا النساء, لكن هذا لا يعني وجود أناس مختلفين تمامًا, ومن هنا أود أن أدعو كلًا من الزوجين إلى نسيان (الدور النمطي) لكل منهما في المجتمع, ويحاولان ـ قدر الإمكان ـ تحديد أولوياتهما كما يودان فعلا ـ كأناس عاديين ـ لا كرجل وامرأة. وهنا ـ قد نصل إلى ما يريده الرجل من زوجته فعلًا, وما تريده المرأة من زوجها حقًا.

لكن أن تلبي احتياجات الطرف الآخر ـ فقط ـ فهذا نصف المشوار, لأنه إذا كان أحد الزوجين يبذل عطاءه, فيجب أن يتأكد أنه لا يودعها في مصفاة يتسرب منها كالماء, ويجب أيضًا ألا يتراجع أحد الطرفين ويسحب عرضه إذا عرض, فهذا الأمر سيسبب إزعاجا وحرجًا وإيلامًا, ومن ثم نستنفد طاقات المحبة والتفاهم ونترك وراءنا النفس قفرًا يبابًا.

ــــــــــــــــــ

مَن هما الوالدان الجيدان؟

هناك ثلاثة أصناف من الوالدين:

اللذين لديهما نيات حسنة وهما والدان جيدان.

اللذين لديهما نيات حسنة وهما والدان سيئان (لأنه تعوزهما المعلومات، والحدس، والتنظيم، والوقت، أو لأن لديهما هما، نفساهما، حاجات تخفي حاجات الأطفال) .

الذين ليس لديهما نيات حسنة وهما ليسا والدين جيدين.

لن نتحدث عن الصنفين الأولين من الوالدين، إذ أننا نراهنّ بتفاؤل على أن الغالبية من قرّائنا لديهم نيات حسنة.

-الوعي:

كتب برن:"الشخص الواعي هو حيّ لأنه يعرف ما يحسّ به. وأين هو ومتى. يعرف أن الأشجار، بعد موته، باقية حيث هي، لكنه لن يكون هنا ليشاهدها، لذلك يريد أن يراها الآن قدر ما يمكنه من شدة".

النظر إلى أولادك قدر ما يمكن من قوة. معرفة أعمارهم، النظر إليهم كما هم، اعتبارهم ككائنات بشرية ذات قيمة لا نهاية لها: الوعي بالأولاد، هذا هو الأمر.

-القبول:

يأتي بعد ذلك القبول غير المشروط. حتى حين يفترض الطفل الصغير في البدء أن ثمة شروطًا لينال موافقة والديه فإن عليهما أن يسوّيا أمر هذه الحيرة الأولية عنده بتعابير متكررة، من الأفعال والأقوال، عن حبهما غير المشروط للطفل خلال نموه. يحتاج كلّ منّا إلى معرفة أن ثمة مَن هو إلى جانبه مهما حدث. ولهذا يفيد الوالدان. يستطيع الأولاد أن يستمروا في البقاء على أحداث رهيبة إن تأكدوا من حضور والديهما ومن حبهما ومن حمايتهما.

إنني لن أنسى أبدًا أول سجل علامات أحضرته إلى البيت بعد بضعة أشهر من المدرسة الابتدائية. كتبت المعلمة في ثلاثة أمكنة مختلفة، بأحرف كبيرة حمراء خطّت تحتها خطًا عريضًا: (سيِّئ) ، وأضافت تحت إحدى تلك الكلمات:"كسولة جدًا". نظرت إلى تلك الحروف الحمراء والخجل يعذبني: سيئ، سيئ، سيئ، أخفيت سجل العلامات إلى صباح اليوم الذي كان عليّ أن أرجعه إلى المدرسة. وأخيرًا، منهكة وبعينين مغرورقتين بالدموع قدمته لوالديّ. كانا ساخطين ليس عليّ أنا، إنما على المعلمة. أحسست بقبولهما غير المشروط لي. لقد وضع غضبهما عليها هي عندما أفضيا بما يفكران بذلك الحكم القاسي على بنت صغيرة ذات ست سنوات. كل ما اكن يحسب له حسابًا هو أنهما كانا إلى جانبي مهما حدث. وعندما أدركت ذلك فإني اجتزت بنجاح ليس سنتي المدرسية الأولى. بل شعرت أن في وسعي أن أجتاز أي شيء. وما أزال أعتقد ذلك حتى اليوم!

يتعلم الأطفال ما يساوون من والديهم. روت لنا إحدى صديقاتنا حكاية هذا الطفل الصغير ذي الثلاث سنوات الذي كان يلعب في حديقة الجيران. كان باب المدخل إلى حوض السباحة قد ترك مفتوحًا. اجتازت صديقتنا الشارع، قلقة على سلامة الطفل، وأغلقت الباب قائلة للطفل الصغير: أتدري يا جون، ينبغي عليك أن تحذر الدنوّ من حوض السباحة عندما لا يكون قربك أشخاص كبار.

أجابها بثقة: وهل تعتقدين أني سألحق الضرّ بجسمي الصغير الثمين!.

كان هذا الطفل الصغير محظوظًا لأنه قد قيل له إن جسمه ثمين. كان يعرف قيمته. ثمين! يكون القبول أشدّ عذوبة عندما يزداد ابتهاجنا ببهاء، جسم أطفالنا وبفكرهم.

-الاستقامة:

لا يكذب الوالدان الجيدان على أولادهما. يمكنهما مع ذلك أن يحمياهم من معلومة قاسية بالنسبة إلى سنهم. يعود إلى وعينا تحديد ما يجب قوله وما لا يجب. كيف تجيب طفلًا ذا ست سنوات يسألك إن كان"سيشوي كليًا عندما تسقط قنبلة؟"هل تقول له"لا"، أو"لا إنك ستزول ببساطة"، أو أيضًا"لن تسقط أية قنبلة يا أبله!". بماذا تجيبه؟.

أطفال خمس سنوات قلقون منذ الآن عندما تعبر الحرب النووية في بالهم."أي جدوى من أن تكبر، وأنت تفكر أنك لن تكبر؟"بهذا يسأل إيريك شيفيان، طبيب الأمراض النفسية، ويضيف:"لقد شاهدنا طفلًا في السادسة من عمره يقول لنا إنه يتساءل في كل مرة تمرّ طائرة من فوقه إن كانت هي"طائرة الحرب". لنورد قول العالم النفسي ستيفن زتلين:"السكوت عن النتائج القابلة للتقدير لحرب نووية، لا يقوي يأس الأطفال وموقفهم السلبي فقط، إنما يقودهم أيضًا إلى سحب ثقتهم من الكبار غير القادرين على حمايتهم بشكل ملائم". وحسب ميلتون شفيبل، عالم نفسي من جامعة تغرس:"يجب أن يُطمأن الأطفال الصغار جدًا، ينبغي أن يقال لهم ألا يقلقوا، فهم غير قادرين على تحمل شيء آخر. لكن من المهم، عندما يبلغون السابعة أو الثامنة ألا تقدم لهم معلومات خاطئة. ويطمئن اليافعون جدًا عند معرفتهم أن والديهم خائفان هما أيضًا، لكنهما لا يحسان بعجزهما". إن جوابًا إيجابيًا وقادرًا على تبديد الخوف في موضوع هذا الاحتمال الرهيب جاءنا في هذه الحكاية عن معلم طلب من تلامذته الإجابة إن كانوا يعتقدون قيام حرب نووية في مدة عمرهم. رفع الجميع أيديهم إيجابًا إلا واحدًا منهم. وعندما سُئل الصبي لماذا يعتقد هو أنه لن تقوم حرب نووية؟ أجاب:"ذلك لأن والدي يخرج كل مساء لتلافيها"."

-التكلم بصراحة:

يجب علينا أن نفكر قبل التكلم مع طفل، كما ينبغي أن نفعل ذلك قبل التكلم مع أيّ شخص. يحتاج الطفل إلى بيانات بسيطة، مفهومة، لا تربك أفكاره."تعال إلى هنا برنار!": إنه أمر بسيط، مثل:"حان وقت ترتيب ألعابك يا برنار، افعل ذلك حالًا، رجاء". لكن الجملة التالية غير ملائمة:"تود ماما لو تقترب منها لتجلس على ركبتيها بعد أن تكون قد رتبت ألعابك، يا حبيبي". عندما تسأل سوزان:"ماما، هل أستطيع أن أذهب إلى السباحة مع الأطفال الآخرين؟"وإذا كان جواب الأم:"موافقة، في هذه المرة تستطيعن"فمعنى ذلك أن ليس لدى الأم الوقت لتتخذ قرارًا وهي تسمح لها بصورة استثنائية. إن جوابًا مباشرًا يكون"نعم"أو"لا"، أو"لا أعلم إن كانت شروط السلامة كافية سأستعلم، لكن ليس لدي الوقت الآن. لذلك الجواب اليوم هو لا". إن نعم ولا هما كلمتان لهما معنى بالنسبة لطفل صغير، لكنهما تخسران أثرهما الحاسم إن أغرقتا في سيل من الكلمات مثل:"نعم، أعتقد أن عليك.. إن أخذت حذرك.. نعم، أظن أنه يمكن أن.. لا، يجب عليك أولًا أن تسأل والدك.."لا، أيضًا تفقد أثرها الحاسم عندما يسبقها:"كم من مرة يجب عليّ أن أقول؟"الشتائم هي أسوأ أيضًا:"لا، تبًا لك"إذ أنها تنقل معلومات أكثر، إلى برتراند أو روبير أو سوزان، (الغضب، ارتكني وشأني، اغرب عن وجهي) من القول البسيط: لا.

الرسائل الصريحة الأشدّ أهمة، كما سبق لنا أن قلنا، هي:

تستطيع أن تحلّ مشاكلك.

تستطيع أن تفكر.

تستطيع أن تنجز أمورًا.

-أن تكون منطقيًا:

قال أحد الأشخاص عن أمه التي تعبده:"كانت مخطئة في بعض النقاط على الأقل، ذلك ما أعتقده. لكنها كانت منطقية. كنا نعرف دائمًا إلى ما ستؤول الحال بنا معها". إن واقع كون المرء منطقيًا يجعل احتمالات التوقعات والتنظيم فعالة."إني أعرف أنهما لن يدعاني أذهب، لذلك لا تعتمدوا على حضوري": تصريح يعلك تربح وقتًا طويلًا وصراخًا. وبسرعة كبيرة تعلم مجموعة الرفاق أن فرنسواز لا تأكل اللحم وأن جورج يحضر جميع حفلات أعياد ميلاد أفراد أسرته، إلخ، إلخ.. فتؤخذ الحيطة بناء على تلك الوقائع الموطدة,.

أن يكون المرء منطقيًا ليس معناه أن يكون مسمّرًا في قالب من إسمنت. إن المغالاة حتى العبث في إرادة أن يكون المرء منطقيًا، ذلك ما سماه إيمرسون:"فزّاعة صغار النفوس"، ينبغي أن تقاوم. إن الوالدين اللذين يكتشفان أنهما أخطأا وأنهما غيّرا رأيهما، عليهما أن يعترفا بأمانة وأن يشرحا ذلك لأولادهما. قالت ليليان هلمان:"يتغير الناس وينسون إبلاغ الآخرين". إ في وسع الأطفال أن يتقبلوا أخطاء والديهم. وما لا يحتملونه هو المواربة. إن تغيير الرأي ليس خطيئة. بل إنها تمنح الطفل إجازة هامة: فيقول في نفسه، يمكن أن يكون التغيير شيئًا جيدًا. ومع ذلك، فالتغيير بلا سبب مبرر وهو عمل غير منطقي. وهذا يشوش الطفل ويلغم نفوذ الوالدين.

-الأمل:

"الجحيم هو مكان يفقد فيه كل فرد إمكان العثور على حلول". يقول ذل جوهان في مشاهد من الحياة الزوجية لانغمار برغمان. إن الوالدين الجيدين يحلاّن المسائل وإذا لم يتوصلا إلى حلّها فتبقى لديهما الثقة في إمكان العثور على حلّ. ويستمران في البحث. سنجد وسيلة! في الكوميديا الموسيقية إني أتذكر ماما، تقول ماما عندما كاد صواع السكر ينفد:"في وسعنا دائمًا أن نذهب إلى المصرف". لم يتبق شيء كثير في حساب المصرف، إن لم تخني الذاكرة إلا أن الأطفال يعتقدون أن"مصدرًا أكثر أهمية"كان جاهزًا على الدوام. سواء أكان المورد ماديًا أم لم يكن سوى عزم الوالدين وثقتهما فإنه يغذي دائمًا بالأمل. إذا كان الإيمان الديني سند الوالدين فعليهما أن يشركا أولادهما فيه، لا أن يشركاهم في الوصايا فحسب إنما في العطايا أيضًا. قال القديس بطرس:"كن متأهبًا على الدوام للدفاع ضد أي شخص يطلب إليك مبررًا للأمل الذي هو فيك. لكن ليكن ذلك بنعو واحترام...". وإن أولادك أهم الأشخاص الذين قد يطلبونه منك. ليس من الضروري أن يكون لدينا جميع الأجوبة لنثير المسائل.

-التكرار:

يكلف الأطفال الصغار بالتكرار، الكتاب نفسه المقروء والذي أعيدت قراءته مئة مرة، القواعد نفسها تطبق بخطورتها، الطقوس نفسها تجري تمامًا كما ينبغي لها. يساعد التكرار تعزيز التدريب."ماما ليس هكذا. إنه الأرنب الأبيض الذي يختبئ في الكرنب، وليس الأرنب ذو البقع". يبني التكرار دروبًا عصبية أمينة في دماغ الطفل، ويشعر بضرب من قوة عندما يتمكن من التوفيق بين ما يجري"في الخارج"وما يعرف إنه حق في داخل ذاته.

-التقاليد:

تنتقل التقاليد من جيل إلى جيل بواسطة الأبوين، إنها تعلل كثيرًا من سلوكنا طوال عمرنا. يُقرأ العجب على محيّا طفل يقول لرفاقه:"في أسرتي.." (نذهب إلى شاطئ البحر، نحيي ليلة عيد الميلاد عند جدي وجدتي، عندنا شجرة سرو مضاءة، نجتمع حول بيانو لنغني، نعقد اجتماعًا يحضره جميع أعضاء الأسرة، نحمل زنبق الوادي إلى الجيران في أول أيار، نصنع بطاقات أعياد المولد، نزور معارض الرسم، نزرع زهرًا كل عام) . إن المهارة في التقاليد مسجلة لدى الأبوين، لكن بهجة استباقها وتحقيقها هي هدايا إلى الطفل.

يقترح فريدمان وروزنمان، مثلًا، منح فسحة من الوقت لتثمين الطقوس والتقاليد للوصول إلى تعديل سلوك صنف (A) . إن قسمًا كبيرًا من وقتنا يمضي في العمل الذهني حتى لم يعد لدينا متسع للاحتفال وملاحظة مراحل الحياة باظهار مشاعر الاحترام والبهجة. ليس ما نملك هو الذي يجعل حياتنا أشد جمالًا، إنما هو ما نثمّن. الاحتفالات هي طريقنا لنشاطر بهجتنا. إن الحفلات التي تقام من أجل عيد مولد، وزيادة الراتب، وبراد جديد، تعطي أشياء الحياة الصغيرة ثمنها وتجعلنا أغنياء حتى إن كنا على المستوى المادي لسنا كذلك.

عندما كنت صغيرة كان عيد الميلاد أهمّ حادث من أحداث العام. كان جميع أعضاء الأسرة، الذين يعدون 25 فردًا، يحضرون عشية عيد الميلاد في الوقت الذي نبدأ الابتهاجات. كان على الأطفال أن يجلسوا على سلل التفاح، إذ لم يكن لدينا ما يكفي من الكراسي. لكن المائدة كانت مزينة بأجمل ما عندنا من غطاء ومن ملاعق وشوكات وسكاكين من الفضة. كان الطعام يقدم بأناقة وجبات الأطعمة السويدية التقليدية في تلك السهرة الخاصة. كنا نأكل عند واحد من الأقرباء في كل يوم حتى رأس السنة. كانت أيام أعياد مستمرة. كنا، نحن الأطفال، ننتظر بنفاد صبر معرفة كيف ستكون أشجار عيد الميلاد الأخرى مزينة. وكنا نسرّ حين نجد أن الزينات هي نفسها التي كانت في العام السابق، القديس نيقولا العجيب معلّق على شجرة العمة مارت، والمصباح على شكل بيت معلق على شجرة العمة آن. رغم أن سنوات طفولتي تصادفت مع سنوات الجمود الاقتصادي إلا أني كنت أجد أسرتي غنية وذلك بفضل التقاليد.

إن كنت لم ترث كثيرًا من التقاليد ففي وسعك أن تحدثها أنت نفسك. في إحدى الأسر التي نعرفها يشتري الأطفال في كل عام تزيينات لشجرة عيد الميلاد وتضاف إلى الذكريات الأخرى من السنوات السابقة. لقد حُدّثنا عن أسرة لا تجتمع أبدًا حول مائدة الطعام. بل حتى السماط لا يمدّ. وكل يأكل في أي وقت، وهو جالس عامة أمام التلفزيون. ويطوف الأطفال في البيت وفي يدهم"شيء"في قصعة.

في هذا العالم الجنوني الذي نعيش تكتسح هذه الطريقة في العيش، بلا أنظمة ولا قواعد، بيوتنا بشكل أخطر مما نتصور. ومع ذلك إننا نستطيع أن نخفف من التأثير الفاسد لها باحتفاظنا ببعض"العادات"التي لم تمسّ: نتناول طعامنا معًا يوم الأحد دائمًا في غرفة الطعام، نفطر دائمًا معًا، يصنع بابا حلوى للأسرة يوم السبت، و، و.. أمامك الخيار. هل تحلم بأسرة مثل"عائلة والتون"؟ إن كان نعم فابدأ بفعل ما فعلوا. إنها حياتنا. إنها أسرتنا. هل اعتقدت حقًا أن في إمكانك أن تحصل على ما تريد؟ افعل ما ينبغي أن تفعله لذلك.

-الاستباق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت